فخر الدين الرازي
137
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عليك ؟ فقال على وجه التعليم قولوا : « اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم » ومعلوم أنه ليس في آل محمد نبي ، فيتناول عليا ذلك كما يجوز مثله في آل إبراهيم . واللّه أعلم . المسألة الخامسة : كنت قد ذكرت لطائف في قول بعضهم لبعض سلام عليكم وهي غير لائقة بهذا الموضع إلا أني رأيت أن أكتبها هاهنا لئلا تضيع ، فقلت : إذا قال الرجل لغيره سلام عليكم . فقوله : سلام عليكم مبتدأ وهو نكرة ، وزعموا أن جعل النكرة مبتدأ لا يجوز ، قالوا لأن الأخبار إنما يفيد إذا أخبر على المعلوم بأمر غير معلوم ، إلا أنهم قالوا : النكرة إذا كانت موصوفة حسن جعلها مبتدأ كما في قوله تعالى : وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ [ البقرة : 221 ] . إذا عرفت هذا فههنا وجهان : الأول : أن التنكير يدل على الكمال ، ألا ترى إلى قوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [ البقرة : 96 ] والمعنى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة دائمة كاملة غير منقطعة . إذا ثبت هذا فقوله : « سلام » لفظة منكرة ، فكان المراد منه سلام كامل تام ، وعلى هذا التقدير : فقد صارت هذه النكرة موصوفة ، فصح جعلها مبتدأ ، وإذا كان كذلك فحينئذ يحصل الخبر وهو قوله : « عليكم » والتقدير : سلام كامل تام عليكم . والثاني : أن يجعل قوله : « عليكم » صفة لقوله : « سلام » فيكون مجموع قوله : « سلام عليكم » مبتدأ ويضمر له خبر ، والتقدير : سلام عليكم واقع كائن حاصل ، وربما كان حذف الخبر أدل على التهويل والتفخيم . إذا عرفت هذا فنقول : إنه عند الجواب يقلب هذا الترتيب فيقال وعليكم السلام ، والسبب فيه ما قاله سيبويه أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى ، فلما قال وعليكم السلام دل على أن اهتمام هذا المجيب بشأن ذلك القائل شديد كامل ، وأيضا فقوله : « وعليكم السلام » يفيد الحصر ، فكأنه يقول إن كنت قد أوصلت السلام إلي فأنا أزيد عليه وأجعل السلام مختصا بك ومحصورا فيك امتثالا لقوله تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [ النساء : 86 ] ومن لطائف قوله : « سلام عليكم » أنها أكمل من قوله : « السلام عليك » وذلك لأن قوله : « سلام عليك » معناه : سلام كامل / تام شريف رفيع عليك . وأما قوله : السلام عليك ، فالسلام لفظ مفرد محلى بالألف واللام ، وأنه لا يفيد إلا أصل الماهية ، واللفظ الدال على أصل الماهية لا إشعار فيه بالأحوال العارضة للماهية وبكمالات الماهية ، فكان قوله : « سلام عليك » أكمل من قوله : « السلام عليك » ومما يؤكد هذا المعنى أنه أينما جاء لفظ « السلام » من اللّه تعالى ورد على سبيل التنكير ، كقوله : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الأنعام : 54 ] وقوله : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [ النمل : 59 ] وفي القرآن من هذا الجنس كثير . أما لفظ « السلام » بالألف واللام ، فإنما جاء من الأنبياء عليهم السلام ، كقول موسى عليه السلام : قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [ طه : 47 ] وأما في سورة مريم فلما ذكر اللّه يحيى عليه السلام قال : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ [ مريم : 15 ] وهذا السلام من اللّه تعالى ، وفي قصة عيسى عليه السلام قال : وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ [ مريم : 33 ] وهذا كلام عيسى عليه السلام . فثبت بهذه الوجوه أن قوله : « سلام عليك » أكمل من قوله : « السلام عليك » فلهذا السبب اختار الشافعي رحمه اللّه في قراءة التشهد قوله : سلام عليك أيها النبي على سبيل التنكير ، ومن لطائف السلام أنه لا شك أن هذا العالم معدن الشرور والآفات والمحن والمخالفات ، واختلف العلماء الباحثون