فخر الدين الرازي
131
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المرود الملاسة ، ومنه صرح ممرد ، وغلام أمرد ، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئا ، كأن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه ، بقي كما كان على صفته الأصلية من غير حدوث تغير فيه البتة ، وذلك هو الملاسة . إذا عرفت أصل اللفظ فنقول : قوله : مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه . ثم قال تعالى : لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ وهو كقوله : لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ والمعنى أنهم تمردوا في حرفة النفاق فصاروا فيها أستاذين ، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك . ثم قال : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ وذكروا في تفسير المرتين وجوها كثيرة : الوجه الأول : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : يريد الأمراض في الدنيا ، وعذاب الآخرة ، وذلك أن مرض المؤمن يفيده تكفير السيئات ، ومرض الكافر يفيده زيادة الكفر وكفران النعم . الوجه الثاني : روى السدي عن أنس بن مالك أن النبي عليه السلام قام خطيبا يوم الجمعة فقال : « اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق » فأخرج من المسجد ناسا وفضحهم فهذا هو العذاب الأول ، والثاني عذاب القبر . والوجه الثالث : قال مجاهد : في الدنيا بالقتل والسبي وبعد ذلك بعذاب القبر . والوجه الرابع : قال قتادة بالدبيلة وعذاب القبر ، وذلك أن النبي عليه السلام أسر إلى حذيفة اثني عشر رجلا من المنافقين ، وقال : ستة يبتليهم اللّه بالدبيلة سراج من نار يأخذ أحدهم حتى يخرج من صدره ، وستة يموتون موتا . والوجه الخامس : قال الحسن : يأخذ الزكاة من أموالهم ، وعذاب القبر . والوجه السادس : قال محمد بن إسحاق : هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسنة ، ثم عذابهم في القبور . والوجه السابع : أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار . والآخر عند البعث ، يوكل بهم عنق النار . والأولى أن يقال مراتب الحياة ثلاثة : حياة الدنيا ، وحياة القبر ، وحياة القيامة ، فقوله : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ المراد منه عذاب الدنيا بجميع أقسامه ، وعذاب القبر . وقوله : ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ المراد منه العذاب في الحياة الثالثة ، وهي الحياة في القيامة . ثم قال تعالى في آخر الآية : ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ يعني النار المخلدة المؤبدة . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 102 إلى 103 ] وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 103 ) [ في قوله تعالى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ] وفي الآية مسائل :