فخر الدين الرازي

127

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الراء ، وإسكانها وفتحها . الثاني : قال صاحب / « الكشاف » : قربات مفعول ثان ليتخذ ، والمعنى : أن ما ينفقه لسبب حصول القربات عند اللّه تعالى وصلوات الرسول ، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ، ويستغفر لهم . كقوله : « اللهم صل على آل أبي أوفى » وقال تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ فلما كان ما ينفق سببا لحصول القربات والصلوات ، قيل : إنه يتخذ ما ينفق قربات وصلوات . وقال تعالى : أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ وهذا شهادة من اللّه تعالى للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ، وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه ، وهو قوله : أَلا وبحرف التحقيق ، وهو قوله : إِنَّها ثم زاد في التأكيد ، فقال : سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ وقد ذكرنا أن إدخال هذا السين يوجب مزيد التأكيد . ثم قال : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لسيئاتهم رَحِيمٌ بهم حيث وفقهم لهذه الطاعات . وقرأ نافع أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ بضم الراء وهو الأصل ، ثم خففت نحو : كتب ، ورسل ، وطنب ، والأصل هو الضم ، والإسكان تخفيف . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 100 ] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 100 ) واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند اللّه وصلوات الرسول ، وما أعد لهم من الثواب ، بين أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها ، وهي منازل السابقين الأولين . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار من هم ؟ وذكروا وجوها : الأول : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدرا وعن الشعبي هم الذين بايعوا بيعة الرضوان . والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة ، وفي النصرة ، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيما ذا فبقي اللفظ مجملا إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارا ، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصارا وهو الهجرة والنصرة ، فوجب أن يكون المراد منه السابقون الأولون في الهجرة والنصرة / إزالة للإجمال عن اللفظ ، وأيضا فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس ، ومخالف للطبع ، فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره من هذه الطاعة ، وكان ذلك مقويا لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام ، وسببا لزوال الوحشة عن خاطره ، وكذلك السبق في النصرة ، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة ، فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة ، فازوا بمنصب عظيم ، فلهذه الوجوه يجب أن يكون المراد والسابقون الأولون في الهجرة . إذا ثبت هذا فنقول : إن أسبق الناس إلى الهجرة هو أبو بكر ، لأنه كان في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان مصاحبا له في كل مسكن وموضع ، فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره ، وعلي بن أبي طالب ، وإن كان من المهاجرين الأولين إلا أنه إنما هاجر بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا شك أنه إنما بقي بمكة لمهمات الرسول إلا أن السبق إلى الهجرة إنما حصل لأبي بكر ، فكان نصيب أبي بكر من هذه الفضيلة أوفر ، فإذا ثبت هذا صار أبو بكر محكوما عليه بأنه رضي اللّه عنه ، ورضي هو عن اللّه ، وذلك في أعلى الدرجات من الفضل .