فخر الدين الرازي

125

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : قال العلماء من أهل اللغة ، يقال : رجل عربي . إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب . كما تقول مجوسي ويهودي ، ثم يحذف ياء النسبة في الجمع ، فيقال : المجوس واليهود ، ورجل أعرابي ، بالألف إذا كان بدويا ، يطلب مساقط الغيث والكلا ، سواء كان من العرب أو من مواليهم ، ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب ، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي : فرح ، والعربي إذا قيل له : يا أعرابي ، غضب له ، فمن استوطن القرى العربية فهم عرب ، ومن نزل البادية فهم أعراب ، والذي يدل على الفرق وجوه : الأول : أنه عليه السلام قال : « حب العرب من الإيمان » وأما الأعراب فقد ذمهم اللّه في هذه الآية . والثاني : أنه لا يجوز أن يقال : للمهاجرين والأنصار أعراب ، إنما هم عرب ، وهم متقدمون في مراتب الدين على الأعراب . قال عليه السلام : « لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاسق مؤمنا ولا أعرابي مهاجرا » الثالث : قيل إنما سمي العرب عربا لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة ، وهي من تهامة . فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم ، لأنهم إنما تولدوا من أولاد إسماعيل وقيل : سموا بالعرب ، لأنه ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم ، ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة ، ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال : حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة ، وحكمة الهند في أوهامهم ، وحكمة يونان في أفئدتهم . وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية ، وحكمة العرب في ألسنتهم ، وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم . المسألة الثانية : من الناس من قال : الجمع المحلى بالألف واللام الأصل فيه أن ينصرف إلى المعهود السابق ، فإن لم يوجد المعهود السابق ، حمل على الاستغراق للضرورة . قالوا : لأن صيغة الجمع يكفي في حصول معناها الثلاثة فما فوقها ، والألف واللام للتعريف ، فإن حصل جمع هو معهود سابق وجب الانصراف إليه ، وإن لم يوجد فحينئذ يحمل على الاستغراق دفعا للإجمال . قالوا إذا ثبت هذا فنقول : قوله : الْأَعْرابُ المراد منه جمع معينون من منافقي الأعراب ، كانوا يوالون منافقي المدينة فانصرف هذا اللفظ إليهم . المسألة الثالثة : أنه تعالى حكم على الأعراب بحكمين : الحكم الأول أنهم أشد كفرا ونفاقا ، والسبب فيه وجوه : الأول : أن أهل البدو يشبهون الوحوش . والثاني : استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم ، وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم ، والثالث : أنهم ما كانوا تحت سياسة سائس ، ولا تأديب مؤدب ، ولا ضبط ضبط فنشاؤا كما شاؤوا ، ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات فسادا . والرابع : أن من أصبح وو أمسى مشاهدا لوعظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبياناته الشافية ، وتأديباته الكاملة ، كيف يكون مساويا لمن لم يؤاثر هذا الخير ، ولم يسمع خبره . والخامس : قابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لتعرف الفرق بين أهل الحضر والبادية .