فخر الدين الرازي
12
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 19 ] أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 19 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكر المفسرون أقوالا في نزول الآية . قال ابن عباس في بعض الروايات عنه أن عليا لما أغلظ الكلام للعباس ، قال العباس : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام ، والهجرة ، والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج فنزلت هذه الآية ، وقيل إن المشركين قالوا لليهود ، نحن سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام ، فنحن أفضل أم محمد وأصحابه ؟ فقالت اليهود لهم أنتم أفضل . وقيل : إن عليا عليه السلام قال للعباس رضي اللّه عنه بعد إسلامه : يا عمي ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ؟ فقال : ألست في أفضل من الهجرة ؟ أسقي حاج بيت اللّه وأعمر المسجد الحرام فلما نزلت هذه الآية قال : ما أراني إلا تارك سقايتنا . فقال عليه الصلاة والسلام : « أقيموا على سقياتكم فإن لكم فيها خيرا » و قيل افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعلي ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه ، ولو أردت بت فيه . قال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها . قال علي : أنا صاحب الجهاد فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . قال المصنف رضي اللّه عنه : حاصل الكلام أنه يحتمل أن يقال : هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين ويحتمل أنها جرت بين المسلمين والكافرين . أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين : أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ [ التوبة : 20 ] وهذا يقتضي أيضا أن يكون للمرجوح أيضا / درجة عند اللّه ، وهذا يقتضي أيضا أن يكون للمرجوح أيضا درجة عند اللّه ، وذلك لا يليق إلا بالمؤمن وسنجيب عن هذا الكلام إذا انتهينا إليه . وأما الذين قالوا : إنها جرت بين المسلمين والكافرين ، فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى : كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وبين من آمن باللّه وهذا هو الأقرب عندي . تقرير الكلام أن نقول : إنا قد نقلنا في تفسير قوله تعالى : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [ التوبة : 18 ] أن العباس احتج على فضائل نفسه ، بأنه عمر المسجد الحرام وسقى الحاج فأجاب اللّه عنه بوجهين : الوجه الأول : ما بين في الآية الأولى أن عمارة المسجد ، إنما توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن ، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا فائدة فيها البتة . والوجه الثاني : من الجواب كل ما ذكره في هذه الآية ، وهو أن يقال : هب أنا سلمنا أن عمارة المسجد الحرام وسقي الحاج ، يوجب نوعا من أنواع الفضيلة ، إلا أنها بالنسبة إلى الإيمان باللّه ، والجهاد قليل جدا فكان ذكر هذه الأعمال في مقابلة الإيمان باللّه والجهاد خطأ ، لأنه يقتضي مقابلة الشيء الشريف الرفيع جدا بالشيء الحقير التافه جدا ، وأنه باطل ، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الآية ، وبهذا الطريق يحصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية . واعلم أن السقاية والعمارة فعل ، قوله : كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إشارة إلى الفاعل ، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل ، والصفة بالذات وأنه محال ، فلا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أن نقول التقدير أجعلتم