فخر الدين الرازي

116

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والجواب : لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل إليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه ، غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتقل إلى الإيمان ، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر ، فلما رأى منه إظهار الإسلام وشاهد منه هذه الإمارة التي دلت على دخوله في الإسلام ، غلب على ظنه أنه صار مسلما ، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه ، فلما نزل جبريل عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه ، امتنع من الصلاة / عليه . وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوها : الأول : أن العباس عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أخذ أسيرا ببدر ، لم يجدوا له قميصا ، وكان رجلا طويلا ، فكساه عبد اللّه قميصه . الثاني : أن المشركين قالوا له يوم الحديبية ، إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك ، فقال لا ، إن لي في رسول اللّه أسوة حسنة ، فشكر رسول اللّه له ذلك . والثالث : أن اللّه تعالى أمره أن لا يرد سائلا بقوله : وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [ الضحى : 10 ] فلما طلب القميص منه دفعه إليه لهذا المعنى . الرابع : أن منع القميص لا يليق بأهل الكرم . الخامس : أن ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ، كان من الصالحين ، وأن الرسول أكرمه لمكان ابنه . السادس : لعل اللّه تعالى أوحى إليه أنك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك حاملا لألف نفر من المنافقين في الدخول في الإسلام ففعل ذلك لهذا الغرض ، وروي أنهم لما شاهدوا ذلك أسلم ألف من المنافقين . السابع : أن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه كما قال : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] وقال : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ آل عمران : 159 ] فامتنع من الصلاة عليه رعاية لأمر اللّه تعالى ، ودفع إليه القميص لإظهار الرحمة والرأفة . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً قال الواحدي : ماتَ في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل على أحد منهم ميت وقوله : أَبَداً متعلق بقوله : أَحَدٍ والتقدير ولا تصل أبدا على أحد منهم . واعلم أن قوله : ولا تصل أبدا يحتمل تأبيد النفي ويحتمل تأبيد المنفي ، والمقصود هو الأول ، لأن قرائن هذه الآيات دالة على أن المقصود منعه من أن يصلي على أحد منهم منعا كليا دائما . ثم قال تعالى : وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ وفيه وجهان : الأول : قال الزجاج : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له ، فمنع هاهنا منه . الثاني : قال الكلبي لا تقم بإصلاح مهمات قبره ، وهو من قولهم ، قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه ، ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله : إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ وفيه سؤالات : السؤال الأول : الفسق أدنى حالا من الكفر ، ولما ذكر في تعليل هذا النهي كونه كافرا فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بكونه فاسقا ؟ والجواب أن الكافر قد يكون عدلا في دينه . وقد يكون فاسقا في دينه خبيثا ممقوتا عند قومه ، والكذب والنفاق والخداع والمكر والكيد ، أمر مستقبح في جميع الأديان ، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات وصفهم اللّه تعالى بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر ، تنبيها على أن / طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العالم . السؤال الثاني : أليس أن المنافق يصلى عليه إذا أظهر الإيمان مع قيام الكفر فيه ؟