فخر الدين الرازي
107
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب : قلنا أما الصدقات التي لا تكون واجبة ، فغير داخلة تحت هذه الآية ، والدليل عليه أنه تعالى وصفه بقوله : بَخِلُوا بِهِ والبخل في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب ، وأيضا أنه تعالى ذمهم بهذا الترك وتارك المندوب لا يستحق الذم . وأما القسمان الباقيان ، فالذي يجب بإلزام الشرع داخل تحت الآية لا محالة ، وهو مثل الزكوات والمال الذي يحتاج إلى إنفاقه في طريق الحج والغزو ، والمال الذي يحتاج إليه في النفقات الواجبة . بقي أن يقال : هل تدل هذه الآية على أن ذلك القائل ، كان قد التزم إخراج مال على سبيل النذر ؟ والأظهر أن اللفظ لا يدل عليه ، لأن المذكور في اللفظ ليس إلا قوله : لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وهذا لا يشعر بالنذر ، لأن الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة إن وسع اللّه عليه ، فدل هذا على أن الذي لزمهم إنما لزمهم بسبب هذا الالتزام ، والزكاة لا تلزم بسبب هذا الالتزام ، وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحولان الحول . قلنا : قوله : لَنَصَّدَّقَنَّ لا يوجب أنهم يفعلون ذلك على الفور ، لأن هذا إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل ، وهذا القدر لا يوجب الفور ، فكأنهم قالوا : لنصدقن في وقت كما قالوا وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ أي في أوقات لزوم الصلاة ، فخرج من التقدير الذي ذكرناه أن الداخل تحت هذا العهد ، إخراج الأموال التي يجب إخراجها بمقتضى إلزام الشرع ابتداء ، ويتأكد ذلك بما روينا أن هذه الآية إنما نزلت في حق من امتنع من أداء الزكاة ، فكأنه تعالى بين من حال هؤلاء المنافقين أنهم كما ينافقون الرسول والمؤمنين ، فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه ، ولا يقومون بما يقولون / والغرض منه المبالغة في وصفهم بالنفاق ، وأكثر هذه الفصول من كلام القاضي . السؤال الرابع : ما المراد من الفضل في قوله : لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ والجواب : المراد إيتاء المال بأي طريق كان ، سواء كان بطريق التجارة ، أو بطريق الاستنتاج أو بغيرهما . السؤال الخامس : كيف اشتقاق لَنَصَّدَّقَنَّ الجواب : قال الزجاج : الأصل لنتصدقن . ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها . قال الليث : المصدق المعطي والمتصدق السائل . قال الأصمعي والفراء : هذا خطأ فالمتصدق هو المعطي قال تعالى : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [ يوسف : 88 ] . السؤال السادس : ما المراد من قوله : وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ الجواب : الصالح ضد المفسد ، والمفسد عبارة عن الذي بخل بما يلزمه في التكليف فوجب أن يكون الصالح عبارة عما يقوم بما يلزمه في التكليف . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كان ثعلبة قد عاهد اللّه تعالى لئن فتح اللّه عليه أبواب الخير ليصدقن وليجعن ، وأقول التقييد لا دليل عليه . بل قوله : لَنَصَّدَّقَنَّ إشارة إلى إخراج الزكاة الواجبة وقوله : وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ إشارة إلى إخراج كل مال يجب إخراجه على الإطلاق . ثم قال تعالى : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ وهذا يدل على أنه تعالى وصفهم بصفات ثلاثة :