فخر الدين الرازي
102
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والشهداء وأئمة الهدى ، وسائر الجنات حولها وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأذفر . وقال عبد اللّه بن عمرو : إن في الجنة قصرا يقال له عدن ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حرة ، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد ، وأقول حاصل الكلام إن في جنات عدن قولان : أحدهما : أنه اسم علم لموضع معين في الجنة ، وهذه الأخبار والآثار التي نقلناها تقوي هذا القول . قال صاحب « الكشاف » : وعدن علم بدليل قوله : جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ [ مريم : 61 ] . والقول الثاني : أنه صفة للجنة قال الأزهري : العدن مأخوذ من قولك عدن فلان بالمكان إذا أقام به ، يعدن عدونا . والعرب تقول : تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا ، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه ، ومنه المعدن وهو المكان الذي تخلق الجواهر فيه ومنبعها منه ، والقائلون بهذا الاشتقاق قالوا : الجنات كلها جنات عدن . والنوع الثالث : من المواعيد التي ذكرها اللّه تعالى في هذه الآية قوله : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ والمعنى أن رضوان اللّه أكبر من كل ما سلف ذكره ، واعلم أن هذا هو البرهان القاطع على أن السعادات الروحانية أشرف وأعلى من السعادات الجسمانية ، وذلك لأنه إما أن يكون الابتهاج بكون مولاه راضيا عنه ، وأن يتوسل بذلك الرضا إلى شيء من اللذات الجسمانية أوليس الأمر كذلك ، بل علمه بكونه راضيا عنه يوجب الابتهاج والسعادة لذاته من غير أن يتوسل به إلى مطلوب آخر ، والأول باطل ، لأن ما كان وسيلة إلى الشيء لا يكون أعلى حالا من ذلك المقصود ، فلو كان المقصود من رضوان اللّه أن يتوسل به إلى اللذات التي أعدها اللّه في الجنة من الأكل والشرب لكان الابتهاج بالرضوان ابتهاجا بحصول الوسيلة . ولكان الابتهاج بتلك اللذات ابتهاجا بالمقصود ، وقد ذكرنا أن الابتهاج بالوسيلة لا بد وأن يكون أقل حالا من الابتهاج بالمقصود . فوجب أن يكون رضوان اللّه أقل حالا وأدون مرتبة من الفوز بالجنات والمساكن الطيبة ، لكن الأمر ليس كذلك ، لأنه تعالى نص على أن الفوز بالرضوان أعلى وأعظم وأجل وأكبر ، وذلك دليل قاطع على أن السعادات الروحانية أكمل وأشرف من السعادات الجسمانية . واعلم أن المذهب الصحيح الحق وجوب الإقرار بهما معا كما جمع اللّه بينهما في هذه الآية . / ولما ذكر تعالى هذه الأمور الثلاثة قال : ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وفيه وجهان : الأول : أن الإنسان مخلوق من جوهرين ، لطيف علوي روحاني ، وكثيف سفلي جسماني وانضم إليهما حصول سعادة وشقاوة ، فإذا حصلت الخيرات الجسمانية وانضم إليها حصول السعادات الروحانية كانت الروح فائزة بالسعادات اللائقة بها ، والجسد واصلا إلى السعادات اللائقة به ، ولا شك أن ذلك هو الفوز العظيم . الثاني : أنه تعالى بين في وصفه المنافقين أنهم تشبهوا بالكفار الذين كانوا قبلهم في التنعم بالدنيا وطيباتها . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية وصف ثواب المؤمنين ، ثم قال : ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والمعنى : أن هذا هو الفوز العظيم ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا . وروي أنه تعالى يقول لأهل الجنة : « هل رضيتم ؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول أما أعطيكم أفضل من ذلك ، قالوا وأي شيء أفضل من ذلك . قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا »