فخر الدين الرازي
461
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أبي عمرو وابن كثير . الثالثة : قرأ الباقون يُغَشِّيكُمُ بتشديد الشين وضم الياء من التغشية النُّعاسَ بالنصب ، أي يلبسكم النوم . قال الواحدي : القراءة الأولى من أغشى ، والثانية من غشي ، والثالثة من غشي فمن قرأ ( يغشاكم ) فحجته قوله : أَمَنَةً نُعاساً يعني : فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس والأمنة التي هي سبب النعاس كذلك في هذه الآية ومن قرأ يُغَشِّيكُمُ أو يغشيكم فالمعنى واحد وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى : فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ يس : 9 ] وقال : فَغَشَّاها ما غَشَّى [ النجم : 54 ] وقال : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ [ يونس : 27 ] وعلى هذا فالفعل مسند إلى اللَّه . المسألة الثالثة : أنه تعالى لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع : الأول : قوله : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ أي من قبل اللَّه ، واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل اللَّه تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من اللَّه تعالى لا بد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يؤخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا ، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن . وثانيها : أنهم خافوا من جهات كثيرة . أحدها : قلة المسلمين وكثرة الكفار . وثانيها : الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين . وثالثها : العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر . والوجه الثالث : في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم ، أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاساً يحصل لهم زوال الأعيان والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه . والوجه الرابع : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة . فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز . فإن قيل : فإن كان الأمر كما ذكرتم فلم خافوا بعد ذلك النعاس ؟ قلنا : لأن المعلوم أن اللَّه تعالى يجعل جند الإسلام مظفراً منصوراً وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين . فإن قيل : إذا قرئ يُغَشِّيكُمُ بالتخفيف والتشديد ونصب النُّعاسَ فالضمير للَّه عز وجل و أَمَنَةً / مفعول له . أما إذا قرئ ( يغشاكم النعاس ) فكيف يمكن جعل قوله : أَمَنَةً مفعولًا له ، مع أن المفعول له يجب أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل ؟ قلنا : قوله : يُغَشِّيكُمُ وإن كان في الظاهر مسنداً إلى النعاس ، إلا أنه في الحقيقة مسند إلى اللَّه تعالى ، فصح هذا التعليل نظراً إلى المعنى . قال صاحب « الكشاف » : وقرئ أمنة بسكون الميم ، ونظير أمن أمنة ، حي حياة ، ونظير أمن أمنة ، رحم رحمة . قال ابن عباس : النعاس في القتال أمنة من اللَّه ، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان . [ في قوله تعالى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ] النوع الثاني : من أنواع نعم اللَّه تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ولا شبهة أن المراد منه المطر ، وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى