فخر الدين الرازي
459
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله : وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ فالدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر ، ومنه دابرة الطائر وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال ، والمراد أنكم تريدون العير للفوز بالمال ، واللَّه تعالى يريد أن تتوجهوا إلى النفير ، لما فيه من إعلاء الدين الحق واستئصال الكافرين . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 9 إلى 10 ] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) [ في قوله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ ] اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه يحق الحق ويبطل الباطل ، بين أنه تعالى نصرهم عند الاستغاثة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : يجوز أن يكون العامل في إِذْ هو قوله : وَيُبْطِلَ الْباطِلَ فتكون الآية متصلة بما قبلها ، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على تقدير واذكروا إذ تستغيثون . المسألة الثانية : في قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ قولان : القول الأول : أن هذه الاستغاثة كانت من الرسول عليه السلام . قال ابن عباس : حدثني عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر ونظر رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ، استقبل القبلة ومد يده وهو يقول : « اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض » ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ورده أبو بكر ثم التزمه ثم قال : كفاك يا نبي اللَّه مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك ، فنزلت هذه الآية ولما اصطفت / القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره ورفع رسول اللَّه يده بالدعاء المذكور . القول الثاني : أن هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين لأن الوجه الذي لأجله أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلًا فيهم ، بل خوفهم كان أشد من خوف الرسول ، فالأقرب أنه دعا عليه السلام وتضرع على ما روي ، والقوم كانوا يؤمنون على دعائه تابعين له في الدعاء في أنفسهم فنقل دعاء رسول اللَّه لأنه رفع بذلك الدعاء صوته ، ولم ينقل دعاء القوم ، فهذا هو طريق الجمع بين الروايات المختلفة في هذا الباب . المسألة الثالثة : قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ أي تطلبون الإغاثة يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني . [ في قوله تعالى أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ] واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم الاستغاثة بين أنه تعالى أجابهم . وقال : أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : أَنِّي مُمِدُّكُمْ أصله بأني ممدكم ، فحذف الجار وسلط عليه استجاب ، فنصب محله ، وعن أبي عمرو : أنه قرأ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بالكسر على إرادة القول أو على إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من القول . المسألة الثانية : قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم مُرْدِفِينَ بفتح الدال والباقون بكسرها . قال الفراء : مُرْدِفِينَ أي متتابعين يأتي بعضهم في أثر بعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب و مُرْدِفِينَ أي فعل بهم