فخر الدين الرازي
457
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
- لا في العير ولا في النفير - فقيل له : العير أخذت طريق الساحل ونجت ، فارجع إلى مكة بالناس . فقال : لا واللَّه لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ، وتغني القينات والمعازف ببدر فتتسامع جميع العرب بخروجنا ، وإن محمداً لم يصب العير فمضى إلى بدر بالقوم . وبدر كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة ، فنزل جبريل وقال : يا محمد إن اللَّه وعدكم إحدى الطائفتين ، إما العير وإما النفير من قريش ، واستشار النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم أصحابه فقال : « مال تقولون إن القوم خرجوا من مكة على كل صعب وذلول . فالعير أحب إليكم أم النفير ؟ قالوا بل العير أحب إلينا من لقاء العدو . فتغير وجه رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم وقال : إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا يا رسول اللَّه عليك بالعير ودع العدو ، فقام عند غضب النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم أبو بكر وعمر فأحسنا ، ثم قام سعد بن عبادة فقال امض إلى ما أمرك اللَّه به فإنا معك حيثما أردت . فو اللَّه لو سرت إلى عدن لما تخلف عنك رجل من الأنصار . ثم قال المقداد بن عمرو : يا رسول اللَّه امض إلى ما أمرك اللَّه به ، فإنا معك حيثما أردت ، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ المائدة : 24 ] ولكنا نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت منا عين تطرف . فضحك رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : « سيروا على بركة اللَّه واللَّه لكأني أنظر إلى مصارع القوم » ، ولما فرغ رسول اللَّه من بدر ، قال بعضهم : عليك بالعير . فناداه العباس وهو في وثاقه ، لا يصلح ، فقال النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم : لم ؟ قال : لأن اللَّه وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أعطاك ما وعدك . إذا عرفت هذه القصة فنقول : كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لا لكلهم ، بدليل قوله تعالى : وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ والحق الذي جادلوا فيه رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم تلقى النفير لإيثارهم العير . وقوله : بَعْدَ ما تَبَيَّنَ المراد منه : إعلام رسول اللَّه بأنهم ينصرون . وجدالهم قولهم : ما كان خروجنا إلا للعير ، وهلا قلت لنا ؟ لنستعد ونتأهب للقتال ، وذلك لأنهم كانوا يكرهون القتال ، ثم إنه تعالى شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم بحال من يجر إلى القتل ويساق إلى الموت ، وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجباته ، وبالجملة فقوله : وَهُمْ يَنْظُرُونَ كناية عن الجزم والقطع . ومنه قوله عليه السلام : « من نفى ابنه وهو ينظر إليه » أي يعلم أنه ابنه . وقوله تعالى : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [ النبأ : 40 ] أي يعلم . واعلم أنه كان خوفهم لأمور : أحدها : قلة العدد . وثانيها : أنهم كانوا رجالة . روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان . وثالثها : قلة السلاح . المسألة الثالثة : روي أنه صَلَّى اللّه عليه وسلّم إنما خرج من بيته باختيار نفسه ، ثم إنه تعالى أضاف ذلك الخروج إلى نفسه فقال : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وهذا يدل على أن فعل العبد بخلق اللَّه تعالى إما ابتداء أو بواسطة القدرة والداعية اللذين مجموعهما يوجب الفعل كما هو قولنا . قال القاضي معناه : أنه حصل ذلك الخروج بأمر اللَّه تعالى وإلزامه ، فأضيف إليه . قلنا : لا شك أن ما ذكرتموه مجاز ، والأصل حمل الكلام على حقيقته . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 )