فخر الدين الرازي

449

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أن الأنفال هي السلب وهو الذي يدفع إلى الغازي زائداً على سهمه من المغنم ، ترغيباً له في القتال ، كما إذا قال الإمام : « من قتل قتيلًا فله سلبه » أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم ، أو يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه ، ولا يخمس النفل ، وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال : قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، فقلت إن اللَّه تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف . فقال : « ليس هذا لي ولا لك أطرحه في الموضع الذي وضعت فيه الغنائم » فطرحته وبي ما يعلمه اللَّه من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزت إلا قليلًا حتى جاءني رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم وقد أنزلت سورة الأنفال فقال : يا سعد « إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد / صار لي فخذه » قال القاضي : وكل هذه الوجوه تحتمله الآية ، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض . وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين قضى به ، وإلا فالكل محتمل ، وكما أن كل واحد منها جائز ، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها ، والأقرب أن يكون المراد بذلك ما له عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها ، لأنه يسوغ له تحريضاً على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحداً في ابتداء المحاربة . ليبالغ في الحرب . أو عند الرجعة . أو يعطيه سلب القاتل ، أو يرضخ لبعض الحاضرين ، وينفله من الخمس الذي كان عليه السلام يختص به . وعلى هذا التقدير فيكون قوله : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقاً للمجاهدين . أما قوله تعالى : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ففيه بحثان : البحث الأول : المراد منه أن حكمها مختص باللَّه والرسول يأمره اللَّه بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، وليس الأمر في قسمتها مفوضاً إلى رأي أحد . البحث الثاني : قال مجاهد وعكرمة والسدي : إنها منسوخة بقوله فإن للَّه خمسه وللرسول ، وذلك لأن قوله : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول ، فنسخها اللَّه بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض الروايات ، وأجيب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ معناه أن الحكم فيها للَّه وللرسول . وهذا المعنى باق فلا يمكن أن يصير منسوخاً ، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكاً للغانمين . الثاني : أن آية الخمس . تدل على كون الغنيمة ملكاً للغانمين ، والأنفال هاهنا مفسرة لا بالغنائم ، بل بالسلب . وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض الناس لمصلحة من المصالح . ثم قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وفيه بحثان : البحث الأول : معناه فاتقوا عقاب اللَّه ولا تقدموا على معصية اللَّه ، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأحوال . وارضوا بما حكم به رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم . البحث الثاني : في قوله : وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي وأصلحوا ذات بينكم من الأقوال ، ولما كانت الأقوال واقعة في البين ، قيل لها ذات البين ، كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور . ثم قال : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ والمعنى أنه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله : وَأَطِيعُوا / اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثم بالغ في هذا التأكيد فقال : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ والمراد أن الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه ورغبتم