فخر الدين الرازي

446

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المعتبر هو القرب بالشرف لا القرب بالجهة . والوجه الثالث : أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى اللَّه من حيث أنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات . والوجه الرابع : إنما قال تعالى في صفة الملائكة : الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لأنهم رسل اللَّه إلى الخلق كما يقال : إن عند الخليفة جيشاً عظيماً ، وإن كانوا متفرقين في البلد ، فكذا هاهنا . واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : تمسك أبو بكر الأصم رحمه اللَّه بهذه الآية في إثبات أن الملائكة أفضل من البشر ، لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ والمعنى فأنت أولى وأحق بالعبادة ، وهذا الكلام إنما يصح لو كانت الملائكة أفضل منه . المسألة الرابعة : ذكر من طاعاتهم أولًا كونهم يسبحون ، وقد عرفت أن التسبيح عبارة عن تنزيه اللَّه تعالى من كل سوء ، وذلك يرجع إلى المعارف والعلوم ، ثم لما ذكر التسبيح أردفه بذكر السجود ، وذلك يرجع إلى أعمال الجوارح ، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ، ويتفرع عليها أعمال الجوارح . وأيضاً قوله : وَلَهُ يَسْجُدُونَ يفيد الحصر ومعناه : أنهم لا يسجدون لغير اللَّه . فإن قيل : فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * [ الحجر : 30 ص : 73 ] والمراد أنهم سجدوا لآدم ؟ والجواب : قال الشيخ الغزالي : الذين سجدوا لآدم ملائكة الأرض . فأما عظماء ملائكة السماوات فلا . وقيل أيضاً : إن قوله : وَلَهُ يَسْجُدُونَ يفيد أنهم ما سجدوا لغير اللَّه ، فهذا يفيد العموم . وقوله : فسجدوا لآدم خاص ، والخاص مقدم على العام . واعلم أن الآيات الدالة على كون الملائكة مستغرقين في العبودية كثيرة ، كقوله تعالى حكاية عنهم : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [ الصافات : 165 ، 166 ] وقوله : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ الزمر : 75 ] واللَّه أعلم . وصلى اللَّه على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .