فخر الدين الرازي
370
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
في يده اي وقع في يده السقيط ، والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى فمن وقع في يده السقيط لم يحصل منه على شيء قط فصار هذا مثلا لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل وكانت الندامة آخر امره . والوجه الخامس : قال بعض العلماء : النادم انما يقال له سقط في يده لأنه يتحير في امره ويعجز عن اعماله والآلة الأصلية في الأعمال في أكثر الأمر هي اليد . والعاجز في حكم الساقط فلما قرن السقوط بالأيدي علم أن السقوط في اليد انما حصل بسبب العجز التام ويقال في العرف لمن لا يهتدي لما يصنع ، ضلت يده ورجله . والوجه السادس : ان من عادة النادم ان يطأطئ رأسه ويضعه على يده معتمدا عليه وتارة يضعها تحت ذقنه وشطر من وجه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجه فكانت اليد مسقوط فيها لتمكن السقوط فيها ويكون قوله سقط في أيديهم بمعنى سقط على أيديهم كقوله : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ طه : 71 ] اي عليها . واللّه اعلم . ثم قال تعالى : وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا اي قد تبينوا ضلالهم تبيينا كأنهم أبصروه بعيونهم قال القاضي : يجب ان يكون المؤخر مقدما لان الندم والتحير انما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال . / ولما رأوا انهم قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة ويمكن ان يقال إنه لا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير وذلك لان الإنسان إذا صار شاكا في أن العمل الذي اقدم عليه هل هو صواب أو خطا ؟ فقد يندم عليه من حيث إن الاقدام على ما لا يعلم كونه صوابا أو خطا فاسدا أو باطلا غير جائز فعند ظهور هذه الحالة يحصل الندم ثم بعد ذلك يتكامل العلم ويظهر انه كان خطا وفاسدا وباطلا فثبت ان على هذا التقدير لا حاجة إلى التزام التقديم والتأخير . ثم بين تعالى انهم عند ظهور هذا الندم وحصول العلم بان الذي عملوه كان باطلا أظهروا الانقطاع إلى اللّه تعالى ف قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وهذا كلام من اعترف بعظيم ما اقدم عليه وندم على ما صدر منه ورغب إلى ربه في إقالة عثرته ثم صدقوا على أنفسهم كونهم من الخاسرين ان لم يغفر اللّه لهم ، وهذا الندم والاستغفار انما حصل بعد رجوع موسى عليه السلام إليهم ، وقرئ ( لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا ) بالتاء وربنا بالنصب على النداء وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عليهما السلام : وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 150 إلى 151 ] وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 150 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 151 ) [ قوله تعالى وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قوله : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً لا يمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل ولا يوجب ذلك لجواز ان يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار