فخر الدين الرازي

415

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الحجة الثانية : قوله تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ * [ الأنعام : 102 الرعد : 16 غافر : 62 ] ولو كان تعالى داخلًا تحت اسم الشيء لزم كونه تعالى خالقاً لنفسه وهو محال . لا يقال هذا عام دخله التخصيص ، لأنا نقول هذا كلام لا بد من البحث عنه فنقول : ثبت بحسب العرف المشهور أنهم يقيمون الأكثر مقام الكل ، ويقيمون الشاذ النادر مقام العدم . إذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا حصل الأكثر الأغلب وكان الغالب الشاذ الخارج نادراً ، ألحقوا ذلك الأكثر بالكل ، وألحقوا ذلك النادر بالمعدوم ، وأطلقوا لفظ الكل عليه ، وجعلوا ذلك الشاذ النادر من باب تخصيص العموم . وإذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يصدق على اللَّه تعالى اسم الشيء كان أعظم الأشياء هو اللَّه تعالى ، وإدخال التخصيص في مثل هذا المسمى يكون من باب الكذب ، فوجب أن يعتقد أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء حتى لا يلزمنا هذا المحذور . الحجة الثالثة : هذا الاسم ما ورد في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله ، وما رأينا أحداً من السلف قال في دعائه يا شيء ، فوجب الامتناع منه ، والدليل على أنه غير وارد في كتاب اللَّه أن الآية التي يتوهم اشتمالها على هذا الاسم قوله تعالى : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [ الأنعام : 19 ] وقد بينا في سورة الأنعام أن هذه الآية لا تدل على المقصود ، فسقط الكلام فيه . فإن قال قائل : فقولنا : موجود ومذكور وذات ومعلوم ، ألفاظ لا تدل على الشرف والجلال فوجب أن تقولوا إنه لا يجوز إطلاقها على اللَّه تعالى . فنقول : الحق في هذا الباب التفصيل ، وهو أنا نقول : ما المراد من قولك : إنه تعالى شيء ، وذات ، وحقيقة ؟ إن عنيت أنه تعالى في نفسه ذات وحقيقة وثابت وموجود وشيء ، فهو كذلك من غير شك ولا شبهة ، وإن عنيت به أنه هل يجوز أن ينادى بهذه الألفاظ أم لا ؟ فنقول لا يجوز . لأنا رأينا السلف يقولون : يا اللَّه يا رحمن يا رحيم إلى سائر الأسماء الشريفة ، وما رأينا ولا سمعنا أن أحداً يقول : يا ذات يا حقيقة يا مفهوم ويا معلوم ، فكان الامتناع عن مثل هذه الألفاظ في معرض النداء والدعاء واجباً للَّه تعالى . واللَّه أعلم . المسألة الرابعة : قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها يدل على أنه تعالى حصلت له أسماء حسنة ، وأنه يجب على الإنسان أن يدعو اللَّه بها ، وهذا يدل على أن أسماء اللَّه توقيفية لا اصطلاحية . ومما يؤكد هذا أنه يجوز أن يقال : يا جواد ، ولا يجوز أن يقال : يا سخي ، ولا أن يقال يا عاقل يا طبيب يا فقيه . وذلك يدل على أن أسماء اللَّه تعالى توقيفة لا اصطلاحية . المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لأنها تدل على أن أسماء اللَّه كثيرة لأن لفظ الأسماء لفظ الجمع ، وهي تفيد الثلاثة فما فوقها ، فثبت أن أسماء اللَّه كثيرة ولا شك أن اللَّه واحد ، فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضاً قوله : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يقتضي إضافة الأسماء إلى اللَّه ، وإضافة الشيء إلى نفسه محال . وأيضاً فلو قيل : وللَّه الذوات لكان باطلًا . ولما قال : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ كان حقاً وذلك يدل على أن الاسم غير المسمى .