فخر الدين الرازي

366

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النَّاسِ [ المائدة : 67 ] فأراد تعالى ان يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة . والوجه الثاني : في التأويل ما ذكره الجبائي فقال : سأصرف هؤلاء المتكبرين على نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدين للأنبياء والمؤمنين وانما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم وذلك يجري مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على اللّه . والوجه الثالث : ان من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها الا بعد سبق الايمان . فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات فحينئذ يصرفهم اللّه عنها . والوجه الرابع : ان اللّه تعالى إذا علم من حال بعضهم انه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها فإذا علم اللّه ذلك منه صح من اللّه تعالى ان يصرفه عنها . والوجه الخامس : نقل عن الحسن أنه قال : ان من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل اليه مات قلبه فالمراد من قوله : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ هؤلاء . فهذا جملة ما قيل في هذا الباب وظهر ان هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسالة خلق الأعمال . واللّه اعلم . المسألة الثانية : معنى يتكبرون : انهم يرون انهم أفضل الخلق وان لهم من الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة اعني التكبر لا تكون الا للّه تعالى ، لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبرا ، وقال بعضهم : التكبر : اظهار كبر النفس على غيرها . وصفة التكبر صفة ذم في جميع العباد وصفة مدح في اللّه جل جلاله ، لأنه يستحق اظهار ذلك على من سواه لان ذلك في حقه حق . وفي حق غيره باطل . واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله : بِغَيْرِ الْحَقِّ لان اظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق فان للمحق ان يتكبر على المبطل وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة . اما قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ففيه مباحث : البحث الأول : قرا حمزة والكسائي الرشد بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين . وفرق أبو عمرو بينهما فقال : الرُّشْدِ بضم الراء الصلاح . لقوله تعالى : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [ النساء : 6 ] اي صلاحا ، والرشد فتحهما الاستقامة في الدين . قال تعالى : مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [ الكهف : 66 ] وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد مثل الحزن والحزن والسقم والسقم وقيل : الرُّشْدِ بالضم الاسم وبالفتحتين المصدر . البحث الثاني : سَبِيلَ الرُّشْدِ عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و سَبِيلَ الغَيِّ ما يكون مضادا لذلك ثم بين تعالى ان هذا الصرف انما كان لأمرين : أحدهما : كونهم مكذبين بآيات اللّه . والثاني : كونهم غافلين عنها والمراد انهم واظبوا على الاعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها . واللّه اعلم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 147 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 147 )