فخر الدين الرازي
385
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة . ثبت أنه يصح من اللَّه تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف ، لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده ولا مولى لهم سواه ، / وأيضاً إنه منعم على الكل بأعظم النعم ، وأيضاً إنه قادر على إيصال الجزاء إليهم بعد موتهم ، وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة سبب تام ، في أنه يحسن منه تكليف الخلق ، أما بحسب السبب الأول ، فإنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ، وأما بحسب السبب الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر والطاعة ، وأما بحسب السبب الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام إلى المكلف أن يكلفه بنوع من أنواع الطاعة ، فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة بالدلائل التي ذكرها اللَّه تعالى في هذه الآية ، فإنه يلزم الجزم بأنه يحسن من اللَّه إرسال الرسل ، ويجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف ، فثبت أن الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً ، وعلى أن هذا الإله واحد ، وعلى أنه يحسن منه إرسال الرسل وإنزال الكتب . واعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في هذه الآية ذكر بعده قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وهذا الترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه لما بين أولًا أن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام أمر جائز ممكن ، أردفه بذكر أن محمداً رسول حق من عند اللَّه لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولًا ، ثم حصوله ثانياً ، ثم إنه بدأ بقوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ لأنا بينا أن الإيمان باللَّه أصل ، والإيمان بالنبوة والرسالة فرع عليه ، والأصل يجب تقديمه . فلهذا السبب بدأ بقوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ ثم أتبعه بقوله : وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ . واعلم أن هذا إشارة إلى ذكر المعجزات الدالة على كونه نبياً حقاً ، وتقريره : أن معجزات رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كانت على نوعين : النوع الأول : المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة ، وأجلها وأشرفها أنه كان رجلًا أمياً لم يتعلم من أستاذ ، ولم يطالع كتاباً ، ولم يتفق له مجالسة أحد من العلماء ، لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء ، وما غاب رسول اللَّه عن مكة غيبة طويلة يمكن أن يقال إن في مدة تلك الغيبة تعلم العلوم الكثيرة ، ثم إنه مع ذلك فتح اللَّه عليه باب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن المشتمل على علوم الأولين والآخرين ، فكان ظهور هذه العلوم العظيمة عليه ، مع أنه كان رجلًا أمياً لم يلق أستاذاً ولم يطالع كتاباً من أعظم المعجزات ، وإليه الإشارة بقوله : النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ . والنوع الثاني : من معجزاته الأمور التي ظهرت من مخارج ذاته مثل انشقاق القمر ، ونبوع الماء من بين أصابعه . وهي تسمى بكلمات اللَّه تعالى ، ألا ترى أن عيسى عليه السلام ، لما كان حدوثه أمراً غربياً مخالفاً للمعتاد ، لا جرم سماه اللَّه تعالى كلمة . فكذلك المعجزات لما كانت أموراً غريبة خارقة للعادة لم يبعد تسميتها بكلمات اللَّه تعالى ، وهذا النوع هو المراد بقوله : يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ أي يؤمن باللَّه وبجميع المعجزات التي أظهرها اللَّه عليه ، فبهذا الطريق أقام الدليل على كونه نبياً صادقاً من عند اللَّه . واعلم أنه لما ثبت بالدلائل القاهرة التي قررناها بنبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وجب أن يذكر عقيبه الطريق الذي به