فخر الدين الرازي
383
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه تعالى لما قال : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ثم بين تعالى أن من شرط حصول الرحمة لأولئك المتقين ، كونهم متبعين للرسول النبي الأمي ، حقق في هذه الآية رسالته إلى الخلق بالكلية . فقال : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وفي هذه الكلمة مسألتان : المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن محمداً عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى جميع الخلق . وقال طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية وهم أتباع عيسى الأصفهاني : أن محمداً رسول صادق مبعوث إلى العرب . وغير مبعوث إلى بني إسرائيل . ودليلنا على إبطال قولهم ؛ هذه الآية . لأن قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب يتناول كل الناس . ثم قال : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وهذا يقتضي كونه مبعوثاً إلى جميع الناس ، وأيضاً فما يعلم بالتواتر من دينه ، أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى كل العالمين . فأما أن يقال : إنه كان رسولًا حقاً أو ما كان كذلك ، فإن كان رسولًا حقاً ، امتنع الكذب عليه . ووجب الجزم بكونه صادقاً في كل ما يدعيه ، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثاً إلى جميع الخلق وجب كونه صادقاً في هذا القول ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه كان مبعوثاً إلى العرب فقط ، لا إلى بني إسرائيل . وأما قول القائل : إنه ما كان رسولًا حقا ، فهذا يقتضي القدح في كونه رسولًا إلى العرب وإلى غيرهم ، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون بعض كلام باطل متناقض . إذا ثبت هذا فنقول : قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً من الناس من قال إنه عام دخله التخصيص ومنهم من أنكر ذلك ، أما الأولون فقالوا : إنه دخله التخصيص من وجهين : الأول : أنه رسول إلى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولًا إليهم ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قال : « رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق » والثاني : أنه رسول اللَّه إلى كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه ، حتى يمكنه عند ذلك متابعته ، أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف العالم لم يبلغهم خبر وجوده ولا خبر معجزاته ، فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته ومن الناس من أنكر القول بدخول التخصيص في الآية من هذين الوجهين : أما الأول : فتقريره أن قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب وهذا الخطاب لا يتناول إلا المكلفين وإذا كان كذلك فالناس الذين دخلوا تحت قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ ليسوا إلا المكلفين من الناس ، وعلى هذا التقدير فلم يلزم أن يقال : إن قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ عام دخله التخصيص . وأما الثاني : فلأنه يبعد جداً أن يقال : حصل في طرف من أطراف الأرض قوم لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ، وخبر معجزاته وشرائعه ، وإذا كان ذلك كالمستبعد لم يكن بنا حاجة إلى التزام هذا التخصيص . المسألة الثانية : هذه الآية وإن دلت على أن محمداً عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان مبعوثاً إلى كل الخلق ، بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من الأنبياء من كان مبعوثاً إلى كل الخلق أم لا ؟ إلى سائر الدلائل . فنقول : تمسك جمع من العلماء في أن