فخر الدين الرازي
521
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
سورة التوبة مدنية إلا الآيتين الأخيرتين فمكيتان وآياتها 129 نزلت بعد المائدة سورة التوبة مائة وثلاثة وثلاثون قال صاحب « الكشاف » : لها عدة أسماء : براءة ، والتوبة ؛ والمقشقشة ، والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والفاضحة ، والمثيرة ، والحافرة ، والمنكلة ، والمدمدمة ، وسورة العذاب . قال لأن فيها التوبة على المؤمنين ، وهي تقشقش من النفاق أي تبرئ منه ، وتبعثر عن أسرار المنافقين ، وتبحث عنها ، وتثيرها . وتحفر عنها ، وتفضحهم ، وتنكل بهم ، وتشردهم وتخزيهم ، وتدمدم عليهم . وعن حذيفة : إنكم تسمونها سورة التوبة ، واللَّه ما تركت أحداً إلا نالت منه . وعن ابن عباس في هذه السورة قال : إنها الفاضحة ما زالت تنزل فيهم وتنال منهم حتى خشينا أن لا تدع أحداً ، وسورة الأنفال نزلت في بدر ، وسورة الحشر نزلت في بني النضير . فإن قيل : ما السبب في إسقاط التسمية من أولها ؟ قلنا : ذكروا فيه وجوها : الوجه الأول : روي عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان ، ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة براءة وهي من المئين ، وإلى سورة الأنفال وهي من المثاني ، فقرنتم بينهما وما فصلتم ببسم اللَّه الرحمن الرحيم ؟ فقال : كان النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم كلما نزلت عليه سورة يقول : « ضعوها في موضع / كذا » وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا . فتوفي صَلَّى اللّه عليه وسلّم ولم يبين موضعها ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقرن بينهما . قال القاضي يبعد أن يقال : إنه عليه السلام لم يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال ، لأن القرآن مرتب من قبل اللَّه تعالى ومن قبل رسوله على الوجه الذي نقل ، ولو جوزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من اللَّه على سبيل الوحي ، لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السور الواحدة ، وتجويزه يطرف ما يقوله الإمامية من تجويز الزيادة والنقصان في القرآن . وذلك يخرجه من كونه حجة ، بل الصحيح أنه عليه السلام أمر بوضع هذه السورة ، بعد سورة الأنفال وحياً ، وأنه عليه السلام حذف بسم اللَّه الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحياً . الوجه الثاني : في هذا الباب ما يروى عن أبي بن كعب أنه قال : إنما توهموا ذلك ، لأن في الأنفال ذكر العهود ، وفي براءة نبذ العهود . فوضعت إحداهما بجنب الأخرى والسؤال المذكور عائد هاهنا ، لأن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة . والوجه الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة التوبة سورة واحدة أم سورتان ؟ فقال