فخر الدين الرازي
511
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اشتد قوة المرض عليه ، وكذلك أثخنه الجراح ، والثخانة الغلظة فكل شيء غليظ ، فهو ثخين . فقوله : حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ معناه حتى يقوى ويشتد ويغلب ويبالغ ويقهر ، ثم إن كثيراً من المفسرين . قالوا المراد منه : أن يبالغ في قتل أعدائه . قالوا وإنما حملنا اللفظ عليه لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل . قال الشاعر : لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدم ولأن كثرة القتل توجب قوة الرعب وشدة المهابة ، وذلك يمنع من الجراءة ، ومن الإقدام على ما لا ينبغي ، فلهذا السبب أمر اللَّه تعالى بذلك . البحث الثاني : أن كلمة ( حتى ) لانتهاء الغاية . فقوله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ يدل على أن بعد حصول الإثخان في الأرض له أن يقدم على الأسر . أما قوله : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا فالمراد الفداء ، وإنما سمى منافع الدنيا ومتاعها عرضاً ، لأنه لا ثبات له ولا دوام ، فكأنه يعرض ثم يزول ، ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضاً ، لأنه لا ثبات لها كثبات الأجسام لأنها تطرأ على الأجسام ، وتزول عنها مع كون الأجسام باقية ، ثم قال : وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الباقية الدائمة المصونة عن التبديل والزوال . واحتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول : لا كائن من العبد إلا واللَّه يريده لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه ، ونص اللَّه على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان . وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا : إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر منهم طاعة ، وعملًا جائزاً مأذوناً . ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الأسر طاعة ، نفي كونه مراد الوجود ، وأما الحكماء فإنهم يقولون الشيء مراد بالعرض مكروه بالذات . ثم قال : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ والمراد أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم لأن اللَّه عزيز لا يقهر / ولا يغلب حكيم في تدبير مصالح العالم . قال ابن عباس : هذا الحكم إنما كان يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين ، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل اللَّه بعد ذلك في الأسارى حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [ محمد : 4 ] وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها ، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان ، فإن كلتاهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان ، ثم بعده أخذ الفداء . ثم قال تعالى : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . واعلم أنه كثر أقاويل الناس في تفسير هذا الكتاب السابق . ونحن نذكرها ونذكر ما فيها من المباحث : فالقول الأول : وهو قول سعيد بن جبير وقتادة لولا كتاب من اللَّه سبق يا محمد بحل الغنائم لك ولأمتك ، لمسكم العذاب . وهو مشكل لأن تحليل الغنائم والفداء هل كان حاصلًا في ذلك الوقت ، أو ما كان حاصلًا في ذلك الوقت ؟ فإن كان التحليل والإذن حاصلًا في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم ، لأن ما كان مأذوناً فيه من قبل لم يحصل العقاب على فعله ، وإن قلنا : إن الإذن ما كان حاصلًا في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراماً