فخر الدين الرازي

508

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أوجب تذكير الفعل كقولك جاء الرجال وحضر قبيلتك وحضر القاضي امرأة . فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى . وقال صاحب « الكشاف » : قرئ للنبي صَلَّى اللّه عليه وو سلّم على التعريف و أُسارى و يُثْخِنَ بالتشديد . المسألة الثانية : روي أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال : قومك وأهلك استبقهم لعل اللَّه أن يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك ، فقام عمر وقال : كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم . فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن اللَّه أغناك عن الفداء . فمكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان ينسب له فنضرب أعناقهم . فقال عليه الصلاة والسلام : « إن اللَّه ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن اللَّه ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ إبراهيم : 36 ] ومثل عيسى في قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] ومثلك يا عمر مثل نوح وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] ومثل موسى حيث قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ [ يونس : 88 ] ومال رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم إلى قول أبي بكر . روي أنه قال لعمر يا أبا حفص وذلك أول ما كناه ، تأمرني أن أقتل العباس ، فجعل عمر يقول : ويل لعمر ثكلته أمه ، وروي أن عبد اللَّه بن رواحة أشار بأن تضرم عليهم نار كثيرة الحطب فقال له العباس قطعت رحمك . و روي / أنه صَلَّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تخرجوا أحداً منهم إلا بفداء أو بضرب العنق » فقال ابن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء ، فإني سمعته يذكر الإسلام . فسكت رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم واشتد خوفي . ثم قال من بعد : « إلا سهيل بن بيضاء » و عن عبيدة السلماني قال : قال رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم للقوم : « إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم » فقالوا : بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد . وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية ، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً أو ستة دنانير . وروي أنهم أخذوا الفداء نزلت هذه الآية فدخل عمر على رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال : يا رسول اللَّه أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت ، فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه - ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ . هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية . المسألة الثالثة : تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه : الوجه الأول : أن قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى صريح في أن هذا المعنى منهي عنه ، وممنوع من قبل اللَّه تعالى . ثم إن هذا المعنى قد حصل ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى بعد هذه الآية : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى [ الأنفال : 70 ] الثاني : أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار ، بل أسرهم ، فكان الذنب لازماً من هذا الوجه . الوجه الثاني : أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [ الأنفال : 12 ] وظاهر الأمر للوجوب ، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية . الوجه الثالث : أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم حكم بأخذ الفداء ، وكان أخذ الفداء معصية ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله