فخر الدين الرازي
500
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء ، كذلك يرهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء ، ثم فيه وجوه : الأول : وهو الأصح أنهم هم المنافقون ، والمعنى : أن تكثير أسباب الغزو كما يوجب رهبة الكفار فكذلك يوجب رهبة المنافقين . فإن قيل : المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكرتموه الإرهاب ؟ قلنا : هذا الإرهاب من وجهين : الأول : أنهم إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأدواتهم انقطع عنهم طمعهم من أن يصيروا مغلوبين ، وذلك يحملهم على أن يتركوا الكفر في قلوبهم وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان ، والثاني : أن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات ويحتال في إلقاء الإفساد والتفريق فيما بين المسلمين ، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك هذه الأفعال المذمومة . والقول الثاني : في هذا الباب ما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى قال : المراد كفار الجن . روي أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم قرأ : وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ فقال إنهم الجن . ثم قال : « إن الشيطان لا يخبل أحداً في دار فيها فرس عتيق » وقال الحسن : صهيل الفرس يرهب الجن ، وهذا القول مشكل ، لأن تكثير آلات الجهاد لا يعقل تأثيره في إرهاب الجن . والقول الثالث : أن المسلم كما يعاديه الكافر ، فكذلك قد يعاديه المسلم أيضاً ، فإذا كان قوي / الحال كثير السلاح ، فكما يخافه أعداؤه من الكفار ، فكذلك يخافه كل من يعاديه مسلماً كان أو كافراً . ثم إنه تعالى قال : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهو عام في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات يُوَفَّ إِلَيْكُمْ قال ابن عباس : يوف لكم أجره ، أي لا يضيع في الآخرة أجره ، ويعجل اللَّه عوضه في الدنيا وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي لا تنقصون من الثواب ، ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوله تعالى : آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [ الكهف : 33 ] . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 61 ] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 61 ) واعلم أنه لما بين ما يرهب به العدو من القوة والاستظهار ، بين بعده أنهم عند الإرهاب إذا جنحوا أي مالوا إلى الصلح ، فالحكم قبول الصلح . قال النضر : جنح الرجل إلى فلان ، وأجنح له إذا تابعه وخضع له ، والمعنى : إن مالوا إلى الصلح فمل إليه وأنث الهاء في لها ، لأنه قصد بها قصد الفعلة والجنحة كقوله : إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * أراد من بعد فعلتهم . قال صاحب « الكشاف » : السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب . قال الشاعر : السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب تكفيك من أنفاسها جرع وقرأ أبو بكر عن عاصم للسلم بكسر السين ، والباقون بالفتح وهما لغتان . قال قتادة هذه الآية منسوخة بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] وقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ التوبة : 29 ] وقال بعضهم الآية غير منسوخة لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه ، فإذا رأى مصالحتهم فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة ، وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم للمسلمين عشر سنين ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين ، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة .