فخر الدين الرازي

492

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : واللَّه ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم . فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطاناً . فإن قيل : فإذا حضر إبليس لمحاربة المؤمنين . ومعلوم أنه في غاية القوة ، فلم لم يهزموا جيوش المسلمين ؟ قلنا : لأنه رأى في جيش المسلمين جبريل مع ألف من الملائكة ، فلهذا السبب خاف وفر . فإن قيل : فعلى هذا الطريق وجب أن ينهزم جميع جيوش المسلمين لأنه يتشبه بصورة البشر ويحضر ويعين جمع الكفار ويهزم جموع المسلمين ، والحاصل : أنه إن قدر على هذا المعنى فلم لا يفعل ذلك في سائر وقائع المسلمين ؟ وإن لم يقدر عليه فكيف أضفتم إليه هذا العمل في واقعة بدر ؟ الجواب : لعله تعالى إنما غير صورته إلى صورة البشر في تلك الواقعة أما في سائر الوقائع فلا يفعل ذلك التغيير . السؤال الثاني : أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطاناً بل صار بشراً . الجواب أن الإنسان إنما كان إنساناً بجوهر نفسه الناطقة ، ونفوس الشياطين مخالفة لنفوس البشر فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة ، وهذا الباب أحد الدلائل السمعية على أن الإنسان ليس إنساناً بحسب بنيته الظاهرة وصورته المخصوصة . السؤال الثالث : ما معنى قول الشيطان لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وما الفائدة في هذا الكلام مع أنهم كانوا كثيرين غالبين ؟ والجواب : أنهم وإن كانوا كثيرين في العدد إلا أنهم كانوا يشاهدون أن دولة محمد عليه الصلاة والسلام كل يوم في الترقي والتزايد ، ولأن محمداً كلما أخبر عن شيء فقد وقع فكانوا لهذا السبب خائفين جداً من قوم محمد صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، فذكر إبليس هذا الكلام إزالة للخوف عن قلوبهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يؤمنهم من شر بني بكر بن كنانة خصوصاً وقد تصور بصورة زعيم منهم ، وقال : إِنِّي جارٌ لَكُمْ والمعنى : إني إذا كنت وقومي ظهيراً لكم فلا يغلبكم أحد من الناس ومعنى الجار هاهنا : الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن جاره ، والعرب تقول : أنا جار لك من فلان أي حافظ من مضرته فلا يصل إليك مكروه منه . ثم قال تعالى : فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى نكص على عقيبه ، والنكوص الإحجام عن الشيء ، والمعنى : رجع وقال : إني أرى مالا ترون ، وفيه / وجوه : الأول : أنه روحاني ، فرأى الملائكة فخافهم . قيل : رأى جبريل يمشي بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام . وقيل : رأى ألفاً من الملائكة مردفين . الثاني : أنه رأى أثر النصرة والظفر في حق النبي عليه الصلاة والسلام ، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بلية . ثم قال : إِنِّي أَخافُ اللَّهَ قال قتادة صدق في قوله : إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ وكذب في قوله : إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وقيل لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر فقال : ما قال إشفاقاً على نفسه . أما قوله : وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ فيجوز أن يكون من بقية كلام إبليس ، ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله أخاف اللَّه .