فخر الدين الرازي

490

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثانية : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : القول بالقياس يفضي إلى المنازعة ، والمنازعة محرمة ، فهذه الآية توجب أن يكون العمل بالقياس حراماً ، بيان الملازمة المشاهدة ، فإنا نرى أن الدنيا صارت مملوءة من الاختلافات بسبب القياسات ، وبيان أن المنازعة محرمة . قوله : وَلا تَنازَعُوا وأيضاً القائلون بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس تمسكوا بهذه الآية . وقالوا : قوله تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ صريح في وجوب طاعة اللَّه ورسوله في كل ما نص عليه ، ثم أتبعه بأن قال : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا ومعلوم أن من تمسك بالقياس المخصص بالنص فقد ترك طاعة اللَّه وطاعة رسوله . وتمسك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل ، وكل ذلك حرام ، ومثبتو القياس أجابوا عن الأول ؛ بأنه ليس كل قياس يوجب المنازعة . ثم قال تعالى : وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ والمقصود أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر ، فأمرهم بالصبر . كما قال في آية أخرى : اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا [ آل عمران : 200 ] وبين أنه تعالى مع الصابرين ، ولا شبهة أن المراد بهذه المعية النصرة والمعونة . ثم قال : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال المفسرون : المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير ، فلما وردوا الجحفة بعث الخفاف الكناني وكان صديقاً لأبي جهل إليه بهدايا مع ابن له ، فلما أتاه قال : إن أبي ينعمك صباحاً ويقول لك إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك ، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت ، فقال أبو جهل : قل لأبيك جزاك اللَّه والرحم خيراً ، إن كنا نقاتل اللَّه كما يزعم محمد فو اللَّه ما لنا باللَّه من طاقة ، وإن كنا نقاتل الناس ، فو اللَّه إن بنا على الناس لقوة ، واللَّه ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدراً فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا فيها القيان ، فإن بدراً موسم من مواسم العرب ، / وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بهذه الواقعة . قال المفسرون : فوردوا بدراً وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان . واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء : الأول : البطر قال الزجاج : البطر الطغيان في النعمة . والتحقيق أن النعم إذا كثرت من اللَّه على العبد فإن صرفها إلى مرضاته وعرف أنها من اللَّه تعالى فذاك هو الشكر . وأما إن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر . والثاني : قوله : وَرِئاءَ النَّاسِ والرئاء عبارة عن القصد إلى إظهار الجميل مع أن باطنه يكون قبيحاً ، والفرق بينه وبين النفاق أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر ، والرئاء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية . روي أنه صلى اللّه عليه وسلّم لما رآهم في موقف بدر قال : « اللهم أن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها لمعارضة دينك ومحاربة رسولك » والثالث : قوله : وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فعل مضارع وعطف الفعل على الاسم غير حسن . وذكر الواحدي فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون قوله : وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بمنزلة صادين . والثاني : أن يكون قوله : بَطَراً وَرِئاءَ بمنزلة يبطرون ويراؤن ، وأقول : إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل ، لأنه تارة يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ، ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها ، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر ، وعن الثالث بالفعل . وأقول : إن الشيخ عبد القاهر الجرجاني ، ذكر أن الاسم يدل على التمكين والاستمرار والفعل على التجدد والحدوث ، قال ومثاله في الاسم قوله تعالى : وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [ الكهف : 18 ] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة ، ومثال الفعل قوله تعالى : قُلْ مَنْ