فخر الدين الرازي
488
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فإن قيل : رؤية الكثير قليلًا غلط ، فكيف يجوز من اللَّه تعالى أن يفعل ذلك ؟ قلنا : مذهبنا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضاً لعله تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون . وعن الحسن : هذه الإراءة كانت في اليقظة . قال : والمراد من المنام العين التي هي موضع النوم . ثم قال تعالى : وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا ولتنازعوا ، ومعنى التنازع في الأمر ، الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه ، والمعنى : لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي سلمكم من المخالفة فيما بينكم . وقيل : سلم اللَّه لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم ، وقيل سلمهم من الهزيمة يوم بدر والأظهر أن المراد ، ولكن اللَّه سلمكم من التنازع إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعلم ما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 44 ] وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 ) اعلم أن هذا هو النوع الثالث من النعم التي أظهرها اللَّه للمسلمين يوم بدر ، والمراد أن القليل الذي حصل في النوم تأكد ذلك بحصوله في اليقظة . قال صاحب « الكشاف » : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ الضميران مفعولان يعني إذ يبصركم إياهم ، و قَلِيلًا نصب على الحال . واعلم أنه تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين ، وقلل أيضاً عدد المؤمنين في أعين المشركين . والحكمة في التقليل الأول ، تصديق رؤيا الرسول صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، وأيضاً لتقوى قلوبهم وتزداد جراءتهم عليهم ، والحكمة في التقليل . الثاني : أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر ، فصار ذلك سبباً لاستيلاء المؤمنين عليهم . فإن قيل : كيف يجوز أن يريهم الكثير قليلًا ؟ قلنا : أما على ما قلنا فذاك جائز ، لأن اللَّه تعالى خلق الإدراك في حق البعض دون البعض . وأما المعتزلة فقالوا : لعل العين منعت من إدراك الكل ، أو لعل الكثير منهم كانوا في غاية البعد فما حصلت رؤيتهم . ثم قال : لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا . فإن قيل : ذكر هذا الكلام في الآية المتقدمة ، فكان ذكره هاهنا محض التكرار . قلنا : المقصود من ذكره في الآية المتقدمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالة على صدق الرسول صَلَّى اللّه عليه وسلّم . والمقصود من ذكره هاهنا ، ليس هو ذلك المعنى ، بل المقصود أنه تعالى ذكر هاهنا أنه قلل عدد المؤمنين في أعين المشركين ، فبين هاهنا أنه إنما فعل ذلك ليصير ذلك سبباً لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر ، فيصير ذلك سبباً لانكسارهم . ثم قال : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ والغرض منه التنبيه على أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها ، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً ليوم المعاد .