فخر الدين الرازي
480
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تعالى لا يفعل بهم ذلك تعظيماً له ، وهذا أيضاً عادة اللَّه مع جميع الأنبياء المتقدمين ، فإنه لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج رسولهم منها ، كما كان في حق هود وصالح ولوط . فإن قيل : لما كان حضوره فيهم مانعاً من نزول العذاب عليهم ، فكيف قال : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [ التوبة : 14 ] . قلنا : المراد من الأول عذاب الاستئصال ، ومن الثاني : العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة . والسبب الثاني : قوله : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي تفسيره وجوه : الأول : وما كان اللَّه معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون ، فاللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد بعضهم كما يقال : قتل أهل المحلة رجلًا ، وأقدم أهل البلدة الفلانية على الفساد ، والمراد بعضهم . الثاني : وما كان اللَّه معذب هؤلاء الكفار ، وفي علم اللَّه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون باللَّه ويستغفرونه ، فوصفوا بصفة أولادهم وذراريهم . الثالث : قال قتادة والسدي : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي لو استغفروا لم يعذبوا ، فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم . أي لو اشتغلوا بالاستغفار لما عذبهم اللَّه . ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الاستغفار هاهنا بمعنى الإسلام والمعنى : أنه كان معهم قوم كان في علم اللَّه أن يسلموا . منهم أبو سفيان بن حرب . وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب . والحرث بن هشام . وحكيم بن حزام . وعده كثير ، والمعنى وما كان اللَّه معذبهم وأنت فيهم مع أن في علم اللَّه أن فيهم من يؤول أمره إلى الإيمان . قال أهل المعاني : دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب . قال ابن عباس : كان فيهم أمانان نبي اللَّه / والاستغفار ، أما النبي فقد مضى ، وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة ، ثم قال : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ واعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لا يعذبهم ما دام رسول اللَّه فيهم ، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم فكان المعنى أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم ثم اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم : لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر ، وقيل بل يوم فتح مكة ، وقال ابن عباس : هذا العذاب هو عذاب الآخرة ، والعذاب الذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا ، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم ، فقال : وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وقد ظهرت الأخبار أنهم كيف صدوا عنه عام الحديبية ، ونبه على أنهم يصدون لادعائهم أنهم أولياؤه ، ثم بين بطلان هذه الدعوى بقوله : وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ الذين يتحرزون عن المنكرات ، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية ، والمقصود بيان أن من كانت هذه حاله لم يكن ولياً للمسجد الحرام ، فهم إذن أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا ، فقتلهم اللَّه يوم بدر ، وأعز الإسلام بذلك على ما تقدم شرحه . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 35 ] وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 35 ) اعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار أنهم ما كانوا أولياء البيت الحرام . وقال : إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [ الأنفال : 34 ] بين بعده ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت ، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم وعبادتهم إنما كان بالمكاء والتصدية . قال صاحب « الكشاف » : المكاء فعال بوزن النغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر ،