فخر الدين الرازي
474
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يسامر النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم يوماً إذ أقبل علي رضي اللَّه عنه ، فضحك إليه الزبير فقال رسول اللَّه : « كيف حبك لعلي ، فقال يا رسول اللَّه أحبه كحبي لولدي أو أشد فقال : « كيف أنت إذا سرت إليه تقاتله » . فإن قيل : كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر ؟ قلنا : فيه وجهان : الأول : أن جواب الأمر جاء بلفظ النهي ، ومتى كان كذلك حسن إدخال النون المؤكدة في ذلك النهي ، كقولك انزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك ، وكقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ [ النمل : 18 ] الثاني : أن التقدير : واتقوا فتنة / تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، إلا أنه جيء بصيغة النهي مبالغة في نفي اختصاص الفتنة بالظالمين كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص . وقيل لها لا تصيبي الذين ظلموا خاصة ، والمراد منه : المبالغة في عدم الاختصاص على سبيل الاستعارة . ثم قال تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ والمراد منه : الحث على لزوم الاستقامة خوفاً من عقاب اللَّه . فإن قيل : حاصل الكلام في الآية أنه تعالى يخوفهم من عذاب لو نزل لعم المذنب وغيره ، وكيف يليق برحمة الرحيم الحكيم أن يوصل الفتنة والعذاب إلى من لم يذنب ؟ قلنا : إنه تعالى قد ينزل الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداء ، إما لأنه يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكية ، أو لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاح على اختلاف المذهبين ، وإذا جاز ذلك لأحد هذين الوجهين فكذا هاهنا . واللَّه أعلم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 26 ] وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) اعلم أنه تعالى لما أمرهم بطاعة اللَّه وطاعة الرسول ، ثم أمرهم باتقاء المعصية ، أكد ذلك التكليف بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين أنهم كانوا قبل ظهور الرسول صَلَّى اللّه عليه وسلّم في غاية القلة والذلة ، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة ، وذلك يوجب عليهم الطاعة وترك المخالفة . أما بيان الأحوال التي كانوا عليها قبل ظهور محمد فمن وجوه : أولها : أنهم كانوا قليلين في العدد . وثانيها : أنهم كانوا مستضعفين ، والمراد أن غيرهم يستضعفهم ، والمراد من هذا الاستضعاف أنهم كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس . والمعنى : أنهم كانوا إذا خرجوا من بلدهم خافوا أن يتخطفهم العرب ، لأنهم كانوا يخافون من مشركي العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ، ثم بين تعالى أنهم بعد أن كانوا كذلك قلبت تلك الأحوال بالسعادات والخيرات ، فأولها : أنه آواهم والمراد منه أنه تعالى نقلهم إلى المدينة ، فصاروا آمنين من شر الكفار ، وثانيها : قوله : وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ والمراد منه وجوه النصر في يوم بدر ، وثالثها : قوله : وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وهو أنه تعالى / أحل لهم الغنائم بعد أن كانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة . ثم قال : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي نقلناكم من الشدة إلى الرخاء ، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء ، حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة ، فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال ؟