فخر الدين الرازي
256
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عطارد وزهور القمر والأجسام متماثلة في تمام الماهية فكان اختصاص كل واحد منها بلونه المعين خلقا وتقديرا ودليلا على افتقارها إلى الفاعل المختار . وسابعها : ان الأفلاك والعناصر مركبة من الاجزاء الصغيرة وواجب الوجود لا يكون أكثر من واحد فهي ممكنة الوجود في ذواتها فكل ما كان ممكنا لذاته فهو محتاج إلى المؤثر والحاجة إلى المؤثر لا تكون في حال البقاء والا لزم تكون الكائن فتلك الحاجة لا تحصل الا في زمان الحدوث أو في زمان العدم وعلى التقديرين فيلزم كون هذه الاجزاء محدثة . ومتى كانت محدثة كان حدوثها مختصا بوقت معين وذلك خلق وتقدير / ويدل على الحاجة إلى الصانع القادر المختار . وثامنها : ان هذه الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما محدثان وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث فهذه الأجسام محدثة وكل محدث فقد حصل حدوثه في وقت معين وذلك خلق وتقدير ولا بد له من الصانع القادر المختار . وتاسعها : ان الأجسام متماثلة فاختصاص بعضها بالصفات التي لأجلها كانت سماوات وكواكب والبعض الآخر بالصفات التي لأجلها كانت أرضا أو ماء أو هواء أو نارا لا بد وان يكون امرا جائزا وذلك لا يحصل الا بتقدير مقدر وتخصيص مخصص وهو المطلوب . وعاشرها : انه كما حصل الامتياز المذكور بين الأفلاك والعناصر فقد حصل أيضا مثل هذا الامتياز بين الكواكب وبين الأفلاك وبين العناصر بل حصل مثل هذا الامتياز بين كل واحد من الكواكب وذلك يدل على الافتقار إلى الفاعل القادر المختار . واعلم أن الخلق عبارة عن التقدير فإذا دللنا على أن الأجسام متماثلة وجب القطع بان كل صفة حصلت لجسم معين فان حصول تلك الصفة ممكن لسائر الأجسام وإذا كان الأمر كذلك كان اختصاص ذلك الجسم المعين بتلك الصفة المعينة خلقا وتقديرا فكان داخلا تحت قوله سبحانه إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ واللَّه اعلم . المسألة الثالثة : لسائل ان يسال فيقول : كون هذه الأشياء مخلوقة في ستة أيام لا يمكن جعله دليلا على اثبات الصانع ؟ وبيانه من وجوه : الأول : ان وجه دلالة هذه المحدثات على وجود الصانع هو حدوثها أو إمكانها أو مجموعهما فاما وقوع ذلك الحدوث في ستة أيام أو في يوم واحد فلا اثر له في ذلك البتة . والثاني : ان العقل يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بان هذا الحدوث وقع في ستة أيام الا باخبار مخبر صادق وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار فلو جعلنا هذه المقدمة مقدمة في اثبات الصانع لزم الدور . والثالث : ان حدوث السماوات والأرض دفعة واحدة أدل على كمال القدرة والعلم من حدوثها في ستة أيام . إذا ثبت ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة فنقول : ما الفائدة في ذكر انه تعالى انما خلقها في ستة أيام في اثبات ذكر ما يدل على وجود الصانع ؟ والرابع : انه ما السبب في أنه اقتصر هاهنا على ذكر السماوات والأرض ولم يذكر خلق سائر الأشياء ؟ السؤال الخامس : اليوم انما يمتاز عن الليلة بسبب طلوع الشمس وغروبها فقبل خلق الشمس والقمر كيف يعقل حصول الأيام ؟ والسؤال السادس : انه تعالى قال : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] وهذا كالمناقض لقوله : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ .