فخر الدين الرازي
254
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه تعالى لما بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة بين بعده حال من كذب فقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ والنظر هاهنا بمعنى الانتظار والتوقع . فان قيل : كيف يتوقعون وينتظرون مع جحدهم له وانكارهم ؟ قلنا : لعل فيهم أقواما تشككوا وتوقفوا فلهذا السبب انتظروه وأيضا انهم وان كانوا جاحدين الا انهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة وقوله : إِلَّا تَأْوِيلَهُ قال الفراء الضمير في قوله : تَأْوِيلَهُ للكتاب يريد عاقبة ما وعدوا به على السنة الرسل من الثواب والعقاب . والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤول وقد احتج بهذه الآية من ذهب إلى قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 7 ] اي ما يعلم عاقبة الأمر فيه الا اللَّه وقوله : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يريد يوم القيامة قال الزجاج قوله : يَوْمَ نصب بقوله : يَقُولُ واما قوله : يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ معناه انهم صاروا في الاعراض عنه بمنزلة من نسيه ويجوز ان يكون معنى نَسُوهُ اي تركوا العمل به والايمان به وهذا كما ذكر نا في قوله : كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا [ الأعراف : 51 ] ثم بين تعالى ان هؤلاء الذين نسوا يوم القيامة يقولون : قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ والمراد انهم أقروا بان الذي جاءت به الرسل من ثبوت الحشر والنشر والبعث والقيامة ، والثواب ، والعقاب ، كل ذلك كان حقا ، وانما أقروا بحقيقة هذه الأشياء لأنهم شاهدوها وعاينوها وبين اللَّه تعالى انهم لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ والمعنى انه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد الا أحد هذين الأمرين وهو ان يشفع لنا شفيع فلا جل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب أو يردنا اللَّه تعالى إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل يعني نوحد اللَّه تعالى بدلا عن الكفر ونطيعه بدلا عن المعصية . فان قيل : أقالوا هذا الكلام مع الرجاء أو مع الياس ؟ وجوابنا عنه مثل ما ذكرناه في قوله : أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [ الأعراف : 50 ] ثم بين تعالى بقوله : قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ان الذين طلبوه لا يكون لان ذلك المطلوب لو حصل لما حكم اللَّه عليهم بأنهم قد خسروا أنفسهم . ثم قال : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ يريد انهم لم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في الدنيا / ولم ينتفعوا بنصرة الأديان الباطلة التي بالغوا في نصرتها قال الجبائي : هذه الآية تدل على حكمين : الحكم الأول قال : الآية تدل على أنهم كانوا في حال التكليف قادرين على الايمان والتوبة فلذلك سألوا الرد ليؤمنوا ويتوبوا ولو كانوا في الدنيا غير قادرين كما يقوله المجبرة لم يكن لهم في الرد فائدة ولا جاز ان يسألوا ذلك . الحكم الثاني : ان الآية تدل على بطلان قول المجبرة والذين يزعمون أن أهل الآخرة مكلفون لأنه لو كان كذلك لما