فخر الدين الرازي

252

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 50 إلى 51 ] وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 51 ) اعلم أنه تعالى لما بين ما يقوله أصحاب الأعراف لأهل النار اتبعه بذكر ما يقوله أهل النار لأهل الجنة . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد الياس فقالوا : يا رب ان لنا قرابات من أهل الجنة فاذن لنا حتى نراهم ونكلمهم فأمر اللّه الجنة فتزحزحت ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم وقد اسودت وجوههم وصاروا خلقا آخر فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا : أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ وانما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بواطنهم من الاحتراق واللهيب بسبب شدة حر جهنم . وقوله : أَفِيضُوا كالدلالة على أن أهل الجنة أعلى مكانا من أهل النار . فان قيل : اسألوا مع الرجاء والجواز ومع الياس ؟ قلنا : ما حكيناه عن ابن عباس يدل على أنهم طلبوا الماء مع جواز الحصول . وقال القاضي : بل مع الياس لأنهم قد عرفوا دوام عقابهم وانه لا يفتر عنهم ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما / يقال في المثل : الغريق يتعلق بالزبد وان علم أنه لا يغيثه . وقوله : أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قيل إنه الثمار وقيل إنه الطعام وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد والجوع الشديد لهم عن أبي الدرداء ان اللّه تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة ثم يذكرون الشراب ويستغيثون فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد فيقطع ما في بطونهم ويستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فيقول أهل الجنة : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ويقولون لمالك : لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [ الزخرف : 77 ] فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام ويقولون : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها [ المؤمنون : 107 ] فيجيبهم اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون : 108 ] فعند ذلك ييأسون من كل خير ويأخذون في الزفير والشهيق . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : انه ذكر في صفة أهل الجنة انهم يرون اللّه عز وجل كل جمعة ولمنزل كل واحد منهم ألف باب فإذا رأوا اللّه تعالى دخل من كل باب ملك معه الهدايا الشريفة وقال : ان نخل الجنة خشبها الزمرد وترابها الذهب الأحمر وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة وثمرها أمثال القلال أو الدلاء أشد بياضا من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل لا عجم له فهذا صفة أهل الجنة وصفة أهل النار ورأيت في بعض الكتب : ان قارئا قرا قوله تعالى حكاية عن الكفار : أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ في تذكرة الأستاذ أبي علي الدقاق فقال الأستاذ : هؤلاء كانت رغبتهم وشهوتهم في الدنيا في الشرب والاكل وفي الآخرة بقوا على هذه الحالة وذلك يدل على أن الرجل يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ثم بين تعالى ان هؤلاء الكفار لما طلبوا الماء والطعام من أهل الجنة قال أهل الجنة إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ولا شك ان ذلك يفيد الخيبة التامة ثم إنه تعالى وصف