فخر الدين الرازي
242
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : اعلم أن أكثر أصحاب المعاني على أن قوله تعالى : لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اعتراض وقع بين المبتدا والخبر والتقدير ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) وانما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدا والخبر لأنه من جنس هذا الكلام / لأنه لما ذكر عملهم الصالح ذكر ان ذلك العمل في وسعهم غير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب . وقال قوم : موضعه خبر عن ذلك المبتدا والعائد محذوف كأنه قيل : لا نكلف نفسا منهم الا وسعها وانما حذف العائد للعلم به . المسألة الثانية : معنى الوسع ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة لا في حال الضيق والشدة والدليل عليه : ان معاذ بن جبل قال في هذه الآية الا يسرها لا عسرها . واما أقصى الطاقة يسمى جهدا لا وسعا وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود . المسألة الثالثة : قال الجبائي : هذا يدل على بطلان مذهب المجبرة في أن اللّه تعالى كلف العبد بما لا يقدر عليه لان اللّه تعالى كذبهم في ذلك وإذا ثبت هذا الأصل بطل قولهم في خلق الأعمال لأنه لو كان خالق اعمال العباد هو اللّه تعالى لكان ذلك تكليف ما لا يطاق لأنه تعالى ان كلفه بذلك الفعل حال ما خلقه فيه فذلك تكليفه بما لا يطاق لأنه امر بتحصيل الحاصل وذلك غير مقدور وان كلفه به حال ما لم يخلق من ذلك الفعل فيه كان ذلك أيضا تكليف ما لا يطاق لان على هذا التقدير : لا قدرة للعبد على تكوين ذلك الفعل وتحصيله ، قالوا : وأيضا إذا ثبت هذا الأصل ظهر ان الاستطاعة قبل الفعل إذ لو كانت حاصلة مع الفعل والكافر لا قدرة له على الايمان مع أنه مأمور به فكان هذا تكليف ما لا يطاق ولما دلت هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق ثبت فساد هذين الأصلين . والجواب : انا نقول وهذا الأشكال أيضا وارد عليكم لأنه تعالى يكلف العبد بإيجاد الفعل حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر والأول باطل لان الإيجاد ترجيح لجانب الفعل وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال والثاني باطل لان حال حصول الرجحان كان الحصول واجبا ، فان وقع الأمر بالطرف الراجح كان امرا بتحصيل الحاصل ، وان وقع بالطرف المرجوح كان امرا بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحا فيكون امرا بالجمع بين النقيضين وهو محال فكل ما تجعلونه جوابا عن هذا السؤال فهو جوابنا عن كلامكم . واللّه اعلم . واما قوله تعالى : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ فاعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه والغل العقد . قال أهل اللغة : وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب اي يدخل ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة ويقال : انغل في الشيء وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة كالحب / يدخل في صميم الفؤاد . إذا عرفت هذا فنقول : لهذه الآية تأويلان : القول الأول : ان يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا ومعنى نزع الغل : تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب فان الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال : اني لأرجو ان