فخر الدين الرازي

240

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الدالة على صحة نبوته ومنكرو المعاد ينكرون الدلائل الدالة على صحة المعاد فقوله : كَذَّبُوا بِآياتِنا يتناول الكل ومعنى الاستكبار طلب الترفع بالباطل وهذا اللفظ في حق البشر يدل على الذم قال تعالى في صفة فرعون : وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ القصص : 39 ] . اما قوله تعالى : لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرا أبو عمرو لا تُفَتَّحُ بالتاء خفيفة وقرا حمزة والكسائي بالياء خفيفة والباقون بالتاء مشددة . اما القراءة بالتشديد فوجهها قوله تعالى : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [ الانعام : 44 ] فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ [ القمر : 11 ] واما قراءة حمزة والكسائي فوجهها ان الفعل متقدم . المسألة الثانية : في قوله : لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ أقوال . قال ابن عباس : يريد لا تفتح لاعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة اللّه وهذا التأويل مأخوذ من قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] ومن قوله : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 18 ] وقال السدي وغيره : لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء وتفتح لأرواح المؤمنين ويدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل : ان روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء . والقول الثالث : ان الجنة في السماء فالمعنى : لا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة . والقول الرابع : لا تنزل عليهم البركة والخير وهو مأخوذ من قوله : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ [ القمر : 11 ] وأقول هذه الآية تدل على أن الأرواح انما تكون سعيدة اما بان ينزل عليها من السماء أنواع الخيرات واما بان يصعد اعمال تلك الأرواح إلى السماوات وذلك يدل على أن السماوات . موضع بهجة الأرواح وأماكن سعاداتها ومنها تنزل الخيرات والبركات وإليها تصعد الأرواح حال فوزها بكمال السعادات ولما كان الأمر كذلك كان قوله : لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ من أعظم أنواع الوعيد والتهديد . اما قوله تعالى : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : « الولوج » الدخول . والجمل مشهور و « السم » بفتح السين وضمها ثقب الإبرة قرا ابن سيرين سَمِّ بالضم وقال صاحب « الكشاف » : يروي سَمِّ بالحركات الثلاث وكل ثقب / في البدن لطيف فهو « سم » وجمعه سموم ومنه قيل : السم القاتل لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب . و الْخِياطِ ما يخاط به . قال الفراء : ويقال خياط ومخيط كما يقال إزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع وانما خص الجمل من بين سائر الحيوانات لأنه أكبر الحيوانات جسما عند العرب . قال الشاعر : جسم الجمال وأحلام العصافير فجسم الجمل أعظم الأجسام وثقب الإبرة أضيق المنافذ فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالا فلما وقف اللّه تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط وكان هذا شرطا محالا وثبت في العقول