فخر الدين الرازي

225

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 28 ] وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 ) [ في قوله تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ] اعلم أن في الناس من حمل الفحشاء على ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة وغيرهما وفيهم من حمله على أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء والأولى ان يحكم بالتعميم والفحشاء عبارة من كل معصية كبيرة فيدخل فيه جميع الكبائر واعلم أنه ليس المراد منه ان القوم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش ثم كانوا يزعمون أن اللّه أمرهم بها فإن ذلك لا يقوله عاقل بل المراد ان تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش والقوم كانوا يعتقدون انها طاعات وان الله أمرهم بها ثم إنه تعالى حكى عنهم انهم كانوا يحتجون على اقدامهم على تلك الفواحش بأمرين / أحدهما : انا وجدنا عليها آباءنا . والثاني : ان اللّه أمرنا بها . اما الحجة الأولى : فما ذكر اللّه عنها جوابا لأنها إشارة إلى محض التقليد وقد تقرر في عقل كل أحد انه طريقة فاسدة لان التقليد حاصل في الأديان المتناقضة فلو كان التقليد طريقا حقا للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقا ومعلوم انه باطل ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرا جليا لكل أحد لم يذكر اللّه تعالى الجواب عنه . واما الحجة الثانية : وهي قولهم : وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها فقد أجاب عنه بقوله تعالى : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ والمعنى انه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة فكيف يمكن القول بأن اللّه تعالى أمرنا بها ؟ وأقول للمعتزلة ان يحتجوا بهذه الآية على أن الشيء انما يقبح لوجه عائد اليه ثم إنه تعالى نهى عنه لكونه مشتملا على ذلك الوجه لان قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ إشارة إلى أنه لما كان ذلك موصوفا في نفسه بكونه من الفحشاء امتنع ان يأمر اللّه به وهذا يقتضي ان يكون كونه في نفسه من الفحشاء مغايرا لتعلق الأمر والنهي به وذلك يفيد المطلوب . وجوابه : يحتمل انه لما ثبت بالاستقراء انه تعالى لا يأمر الا بما يكون مصلحة للعباد ولا ينهى الا عما يكون مفسدة لهم فقد صح هذا التعليل لهذا المعنى . واللّه اعلم . ثم قال تعالى : أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وفيه بحثان : البحث الأول : المراد منه ان يقال : انكم تقولون ان اللّه أمركم بهذه الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن اللّه أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام اللّه تعالى ابتداء من غير واسطة أو عرفتم ذلك بطريق الوحي إلى الأنبياء ؟ اما الأول : فمعلوم الفساد بالضرورة . واما الثاني : فباطل على قولكم لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق لأن هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش وهم كانوا ينكرون أصل النبوة وإذا كان الأمر كذلك فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام اللّه تعالى فكان قولهم ان اللّه أمرنا بها قولا على اللّه تعالى بما لا يكون معلوما وانه باطل . البحث الثاني : نفاة القياس قالوا : الحكم المثبت بالقياس مظنون وغير معلوم وما لا يكون معلوما لم