فخر الدين الرازي

186

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن كل ما كان حقا فهو واحد ولا يلزم منه ان يقال : ان كل ما كان واحدا فهو حق فإذا كان الحق واحدا كان كل ما سواه باطلا وما سوى الحق أشياء كثيرة فيجب الحكم بان كل كثير باطل ولكن لا يلزم ان يكون كل باطل كثيرا بعين ما قررناه في القضية الأولى . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 154 ] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 ) اعلم أن قوله : ثُمَّ آتَيْنا فيه وجوه : / الأول : التقدير : ثم اني أخبركم بعد تعديد المحرمات وغيرها من الاحكام انا آتينا موسى الكتاب فذكرت كلمة « ثم » لتأخير الخبر عن الخبر لا لتأخير الواقعة ونظيره قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [ الأعراف : 11 ] والثاني : ان التكاليف التسعة المذكورة في الآية المتقدمة التكليف لا يجوز اختلافها بحسب اختلاف الشرائع بل هي احكام واجبة الثبوت من أول زمان التكليف إلى قيام القيامة . واما الشرائع التي كانت التوبة مختصة بها فهي انما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فتقدير الآية انه تعالى لما ذكرها قال : ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديما وحديثا ثم بعد ذلك آتينا موسى الكتاب . الثالث : ان / فيه حذفا تقديره : ثم قل يا محمد انا آتينا موسى فتقديره : أتل ما أوحى إليك ثم أتل عليهم خبر ما آتينا موسى . اما قوله : تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ففيه وجوه : الأول : معناه تماما للكرامة والنعمة على الذي أحسن . اي على كل من كان محسنا صالحا ويدل عليه قراءة عبد اللّه على الذين أحسنوا والثاني : المراد تماما للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة بالتبليغ وفي كل ما امر به والثالث : تماما على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته اي زيادة على علمه على وجه التتميم وقرا يحيى بن يعمر عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ اي على الذي هو أحسن بحذف المبتدا كقراءة من قرا مَثَلًا ما بَعُوضَةً [ البقرة : 26 ] بالرفع وتقدير الآية : على الذي هو أحسن دينا وأرضاه أو يقال المراد : آتينا موسى الكتاب تماما اي تاما كاملا على أحسن ما تكون عليه الكتب اي على الوجه الذي هو أحسن وهو معنى قول الكلبي : أتم له الكتاب على أحسنه ثم بين تعالى ما في التوراة من النعم في الدين وهو تفصيل كل شيء والمراد به ما يختص بالدين فدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى اللّه عليه وآله وسلم دينه وشرعه وسائر الأدلة والاحكام الا ما نسخ منها ولذلك قال : وَهُدىً وَرَحْمَةً والهدى معروف وهو الدلالة والرحمة هي النعمة لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ اي لكي يؤمنوا بلقاء ربهم والمراد به لقاء ما وعدهم اللّه به من ثواب وعقاب . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 155 إلى 157 ] وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 155 ) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ( 156 ) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ ( 157 )