فخر الدين الرازي

207

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مأمورا مع الملائكة استثناه اللّه تعالى ، وكان اسم إبليس شيئا آخر ، فلما عصى اللّه تعالى سماه بذلك وكان مؤمنا عابدا في السماء حتى عصى ربه فأهبط إلى الأرض . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 12 ] قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما امر الملائكة بالسجود فإن ذلك الأمر قد تناول إبليس ، وظاهر هذا يدل على أن إبليس كان من الملائكة ، الا ان الدلائل التي ذكرناها تدل على أن الأمر ليس كذلك واما الاستثناء فقد أجبنا عنه في سورة البقرة . المسألة الثانية : ظاهر الآية يقتضي انه تعالى ، طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود ، وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود ، ولهذا الأشكال حصل في الآية قولان : القول الأول : وهو المشهور ان كلمة ( لا ) صلة زائدة ، والتقدير : ما منعك ان تسجد ؟ وله نظائر في القرآن كقوله : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [ القيامة : 1 ] معناه : اقسم . وقوله : وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [ الأنبياء : 95 ] اي يرجعون . وقوله : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [ الحديد : 29 ] . اي ليعلم أهل الكتاب وهذا قول الكسائي ، والفراء ، والزجاج ، والأكثرين . والقول الثاني : ان كلمة ( لا ) هاهنا مفيدة وليست لغوا وهذا هو الصحيح ، لأن الحكم / بأن كلمة من كتاب اللّه لغو لا فائدة فيها مشكل صعب ، وعلى هذا القول ففي تأويل الآية وجهان : الأول : ان يكون التقدير : اي شيء منعك عن ترك السجود ؟ ويكون هذا الاستفهام على سبيل الإنكار ومعناه : انه ما منعك عن ترك السجود ؟ كقول القائل لمن ضربه ظلما : ما الذي منعك من ضربي ، ا دينك ، أم عقلك ، أم حياؤك ؟ ! والمعنى : انه لم يوجد أحد هذه الأمور ، وما امتنعت من ضربي . الثاني : قال القاضي : ذكر اللّه المنع وأراد الداعي فكأنه قال : ما دعاك اللّه إلى أن لا تسجد ؟ لأن مخالفة امر اللّه تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها . المسألة الثالثة : احتج العلماء بهذه الآية على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب ، فقالوا : انه تعالى ذم إبليس بهذه الآية على ترك ما امر به ولو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ترك المأمور به موجبا للذم فإن قالوا : هب ان هذه الآية تدل على أن ذلك الأمر كان يفيد الوجوب ، فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب فلم قلتم ان جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك ؟ قلنا : قوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر ، لأن قوله : إِذْ أَمَرْتُكَ مذكور في معرض التعليل ، والمذكور في قوله : إِذْ أَمَرْتُكَ هو الأمر من حيث إنه امر لا كونه امرا مخصوصا في صورة مخصوصة ، وإذا كان كذلك ، وجب ان يكون ترك الأمر من حيث إنه امر موجبا للذم ، وذلك يفيد ان كل امر فإنه يقتضي الوجوب وهو المطلوب . المسألة الرابعة : احتج من زعم أن الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال : انه تعالى ذم إبليس على ترك السجود