فخر الدين الرازي
202
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وجهة فاما الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة وكان ذلك محالا في حقه امتنع وصفه بالغيبة والحضور فظهر الفرق واللّه اعلم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 ) [ قوله تعالى وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ] اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى ان من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب بين في هذه الآية ان من جملة أحوال القيامة أيضا وزن الأعمال وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الْوَزْنُ مبتدأ و يَوْمَئِذٍ ظرف له و الْحَقُّ خبر المبتدا ويجوز ان يكون يَوْمَئِذٍ الخبر و الْحَقُّ صفة للوزن اي والوزن الحق اي العدل يوم يسال اللّه الأمم والرسل . المسألة الثانية : في تفسير وزن الأعمال قولان : الأول : في الخبر انه تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به اعمال العباد خيرها وشرها ثم قال ابن عباس : اما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته فذلك قوله : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء : وَنَضَعُ / الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [ الأنبياء : 47 ] واما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه : أحدهما : ان اعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة واعمال الكافر بصورة قبيحة فتوزن تلك الصورة : كما ذكره ابن عباس . والثاني : ان الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها اعمال العباد مكتوبة وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم عما يوزن يوم القيامة فقال : « الصحف » وهذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية وعن عبد اللّه بن سلام ان ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والانس يستقبل به العرش احدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السماوات والأرض في إحداهما لوسعتهن وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه وعن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة ان لا اله الا اللّه وان محمدا عبده ورسوله يوضع في الأخرى فترجح » و عن الحسن : بينما الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة رضى اللّه عنها قد اغفى فسالت الدموع من عينها فقال : « ما أصابك ما أبكاك ؟ » فقالت : ذكرت حشر الناس وهل يذكر أحد أحدا فقال لها : « يحشرون حفاة عراة غرلا » لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 37 ] لا يذكر أحد أحدا عند الصحف وعند وزن الحسنات والسيئات ، وعن عبيد بن عمير يؤتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة . والقول الثاني : وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش ان المراد من الميزان العدل والقضاء وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول وقالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة والدليل عليه فوجب المصير اليه . واما بيان ان حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة فلان العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر الا بالكيل والوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل ومما يقوي ذلك ان الرجل إذا لم يكن له قدرة ولا قيمة عند غيره يقال : ان فلانا لا يقيم لفلان وزنا قال تعالى : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً