فخر الدين الرازي

196

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

امره اللّه تعالى بإزالة الحرج عن الصدر ثم امره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ . الثاني : قال ابن الأنباري : اللام هاهنا بمعنى : كي . والتقدير : فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك . الثالث : قال صاحب « النظم » : اللام هاهنا : بمعنى : ان . والتقدير : لا يضق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به والعرب تضع هذه اللام في موضع « ان » قال تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [ التوبة : 32 ] وفي موضع أخر يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا [ الصف : 8 ] وهما بمعنى واحد : والرابع : تقدير الكلام : ان هذا الكتاب أنزله اللّه عليك وإذا علمت أنه تنزيل اللّه تعالى فاعلم أنه عناية اللّه معك وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لان من كان اللّه حافظا له وناصرا لم يخف أحدا وإذا زال الخوف / والضيق عن القلب فاشتغل بالإنذار والتبليغ والتذكير اشتغال الرجال الابطال ولا تبال بأحد من أهل الزيغ والضلال والابطال . ثم قال : وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ قال ابن عباس : يريد مواعظ للمصدقين : قال الزجاج : وهو اسم في موضع المصدر . قال الليث : الذكرى اسم للتذكرة وفي محل ذكرى من الاعراب وجوه قال الفراء : يجوز ان يكون في موضع نصب على معنى : لتنذر به ولتذكر ويجوز ان يكون رفعا بالرد على قوله : كِتابٌ والتقدير : كتاب حق وذكرى ويجوز أيضا ان يكون التقدير وهو ذكرى ويجوز ان يكون خفضا لان معنى لِتُنْذِرَ بِهِ لان تنذر به فهو في موضع خفض لان المعنى للانذار والذكرى . فان قيل : لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين . قلنا : هو نظير قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] والبحث العقلي فيه ان النفوس البشرية على قسمين : نفوس بليدة جاهلية بعيدة عن عالم الغيب غريقة في طلب اللذات الجسمانية والشهوات الجسدانية ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة بالحوادث الروحانية فبعثة الأنبياء والرسل في حق القسم الأول إنذار وتخويف فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة الجهالة احتاجوا إلى موقظ يوقظهم وإلى منبه ينبههم . واما في حق القسم الثاني فتذكير وتنبيه وذلك لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس والاتصال بالحضرة الصمدية الا انه ربما غشيها غواش من عالم الجسم فيعرض لها نوع ذهول وغفلة فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل اللّه تعالى تذكرت مركزها وأبصرت منشاها واشتاقت إلى ما حصل هنالك من الروح والراحة والريحان فثبت انه تعالى انما انزل هذا الكتاب على رسوله ليكون انذارا في حق طائفة وذكرى في حق طائفة أخرى . واللّه اعلم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 3 ] اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 3 ) اعلم أن امر الرسالة انما يتم بالمرسل وهو اللّه سبحانه وتعالى والمرسل وهو الرسول والمرسل اليه وهو الأمة فلما امر في الآية الأولى الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم / صحيح امر المرسل اليه وهم الأمة بمتابعة الرسول فقال : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الحسن : يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب اللّه وسنة رسوله . واعلم أن قوله : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يتناول القرآن والسنة .