فخر الدين الرازي

98

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل على أن قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته ، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء . أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة . فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته . وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل قائلان : قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته . فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا . فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك ، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية . الوجه الثاني : أن نقول المراد بالأبصار في قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئا البتة في موضع من المواضع . بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ المراد منه وهو يدرك المبصرين ، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ يقتضي كونه تعالى مبصرا لنفسه ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وكان تعالى يرى نفسه . وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه ، قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصارا قلنا : قوله تعالى : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ المراد منه إما نفس البصر أو المبصر ، وعلى / التقديرين : فيلزم كونه تعالى مبصرا لأبصار نفسه ، وكونه مبصرا لذات نفسه . وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق . الوجه الثالث : في الاستدلال بالآية أن لفظ الْأَبْصارُ صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار ، فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب . إذا عرفت هذا فنقول : تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع ، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيدا ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم . فإذا قيل : إن محمدا صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس ، وكذا قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ معناه : أنه لا تدركه جميع الأبصار ، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار . أقصى ما في الباب أن يقال : هذا تمسك بدليل الخطاب . فنقول : هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد البتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثا ، وصون كلام اللَّه تعالى عن العبث واجب .