فخر الدين الرازي
96
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والأمراض والآلام ، فإذا حملنا قوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد . قالوا : فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . والجواب : أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية . وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو اللَّه تعالى ، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقا لأفعال العباد ، وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات . المسألة الرابعة : قوله تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ يدل على ترتيب الأمر بالعبادة على كونه تعالى خالقا لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسببية ، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقا للأشياء هو الموجب لكونه معبودا على الإطلاق ، والإله / هو المستحق للمعبودية ، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن الإله عبارة عن القادر على الخلق والإبداع والإيجاد والاختراع . المسألة الخامسة : احتج كثير من المعتزلة بقوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ على نفي الصفات ، وعلى كون القرآن مخلوقا . أما نفي الصفات فلأنهم قالوا : لو كان تعالى عالما بالعلم قادرا بالقدرة ، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال : إنهما قديمان . أو محدثان ، والأول باطل . لأن عموم قوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ يقتضي كونه خالقا لكل الأشياء أدخلنا التخصيص في هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقا لنفسه ، فوجب أن يبقى على عمومه فيما سواه ، والقول بإثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد التخصيص في هذا العموم ، وأنه لا يجوز . والثاني : وهو القول بحدوث علم اللَّه وقدرته . فهو باطل بالإجماع ، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى ، وأن ذلك محال . وأما تمسكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقا . فقالوا : القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق للَّه تعالى بحكم هذا العموم . فلزم كون القرآن مخلوقا للَّه تعالى أقصى ما في هذا الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات اللَّه تعالى ، إلا أن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، ولذلك فإن دخول هذا التخصيص في هذا العموم لم يمنع أهل السنة من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى . وجواب أصحابنا عنه : أنا نخصص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى عالما بالعلم قادرا بالقدرة ، وبالدلائل الدالة على أن كلام اللَّه تعالى قديم . المسألة السادسة : قوله تعالى : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ المراد منه أن يحصل للعبد كمال التوحيد وتقريره ، وهو أن العبد وإن كان يعتقد أنه لا إله إلا هو ، وأنه لا مدبر إلا اللَّه تعالى ، إلا أن هذا العالم عالم الأسباب . وسمعت الشيخ الإمام الزاهد الوالد رحمه اللَّه يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب . وإذا كان الأمر كذلك فقد يعلق الرجل القلب بالأسباب الظاهرة ، فتارة يعتمد على الأمير ، وتارة يرجع في تحصيل مهماته إلى الوزير ، فحينئذ لا ينال إلا الحرمان ولا يجد إلا تكثير الأحزان ، والحق تعالى قال : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ والمقصود أن يعلم الرجل أنه لا حافظ إلا اللَّه ، ولا مصلح للمهمات إلا اللَّه ، فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه ، ولا يرجع في مهم من المهمات إلا إليه .