فخر الدين الرازي
92
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
من علم أن الإله ما حقيقته استحال أن يقول له ولد فكان قوله : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ إشارة إلى هذه الدقيقة . البحث الثاني : قرأ نافع وَخَرَقُوا مشددة الراء . والباقون خَرَقُوا خفيفة الراء . قال الواحدي : الاختيار التخفيف ، لأنها أكثر والتشديد للمبالغة والتكثير . البحث الثالث : قال الفراء : معنى خَرَقُوا افتعلوا وافتروا . قال وخرقوا واخترقوا وخلقوا واختلفوا ، وافتروا واحد . وقال الليث : يقال : تخرق الكذب وتخلقه ، وحكى صاحب « الكشاف » : أنه سئل الحسن عن هذه الكلمة فقال : كلمة عربية كانت تقولها . كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم قد خرقها ، واللَّه أعلم . ثم قال : ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه . أي شقوا له بنين وبنات . ثم إنه تعالى ختم الآية فقال : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ فقوله سبحانه تنزيه للَّه عن كل ما لا يليق به . وأما قوله : وَتَعالى فلا شك أنه لا يفيد العلو في المكان ، لأن المقصود هاهنا تنزيه اللَّه تعالى عن هذه الأقوال الفاسدة ، والعلو في المكان لا يفيد هذا المعنى . فثبت أن المراد هاهنا التعالي عن كل اعتقاد باطل . وقول فاسد . فإن قالوا : فعلى هذا التقدير لا يبقى بين قوله : « سبحانه » وبين قوله : « وتعالى » فرق . قلنا : بل يبقى بينهما فرق ظاهر ، فإن المراد بقوله سبحانه أن هذا القائل يسبحه وينزهه عما لا يليق به والمراد بقوله : وَتَعالى كونه في ذاته متعاليا متقدسا عن هذه الصفات سواء سبحه مسبح أو لم يسبحه ، فالتسبيح يرجع إلى أقوال المسبحين ، والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية التي حصلت له لذاته لا لغيره . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 101 ] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) أعلم أنه تعالى لما بين فساد قول طوائف أهل الدنيا من المشركين . شرع في إقامة الدلائل على فساد قول من يثبت له الولد فقال : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . واعلم أن تفسير قوله : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قد تقدم في سورة البقرة إلا أنا نشير هاهنا إلى ما هو المقصود الأصلي من هذه الآية . فنقول : الإبداع عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال ، ولذلك فإن من أتى في فن من الفنون بطريقة لم يسبقه غيره فيها ، يقال : إنه أبدع فيه . إذا عرفت هذا فنقول : إن اللَّه تعالى سلم للنصارى أن عيسى حدث من غير أب ولا نطفة بل أنه إنما حدث ودخل في الوجود . لأن اللَّه تعالى أخرجه إلى الوجود من غير سبق الأب . إذا عرفت هذا فنقول : المقصود من الآية أن يقال إنكم إما أن تريدوا بكونه والدا للَّه تعالى أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة ووالد . وإما أن تريدوا بكونه ولد اللَّه تعالى كما هو المألوف المعهود من كون الإنسان ولدا لأبيه ، وإما أن تريدوا بكونه ولدا للَّه مفهوما ثالثا مغايرا لهذين المفهومين . أما الاحتمال الأول : فباطل ، وذلك لأنه تعالى وإن كان يحدث الحوادث في مثل هذا العالم الأسفل بناء على أسباب معلومة ووسائط مخصوصة إلا أن النصارى يسلمون أن العالم الأسفل محدث ، وإذا كان الأمر