فخر الدين الرازي
89
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أطلق لفظ الجن عليها ، وأقول : هذا مذهب المجوس ، وإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة ، لأن المجوس يلقبون بالزنادقة ، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند اللَّه مسمى بالزند والمنسوب إليه يسمى زندي . ثم عرب فقيل زنديق . ثم جمع فقيل زنادقة . واعلم أن المجوس قالوا : كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن ، وهو المسمى بإبليس في شرعنا ، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة ، والأقلون منهم قالوا : إنه قديم أزلي ، وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك للَّه في تدبير هذا العالم فخيرات هذا العالم من اللَّه تعالى وشروره من إبليس فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي اللَّه عنهما . فإن قيل : فعلى هذا التقدير : القوم أثبتوا للَّه شريكا واحدا وهو إبليس ، فكيف حكى اللَّه عنهم أنهم أثبتوا للَّه شركاء ؟ والجواب : أنهم يقولون عسكر اللَّه هم الملائكة ، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة ، وهم أرواح طاهرة مقدسة وهم يلهمون تلك الأرواح البشرية بالخيرات والطاعات . والشياطين أيضا فيهم كثرة عظيمة وهي تلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشرية ، واللَّه مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشياطين . فلهذا السبب حكى اللَّه تعالى عنهم أنهم أثبتوا للَّه شركاء من الجن فهذا تفصيل هذا القول . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : وَخَلَقَهُمْ إشارة إلى الدليل القاطع الدال على فساد كون إبليس شريكا للَّه تعالى في ملكه ، وتقريره من وجهين : الأول : أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم / معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو محدث . إذا ثبت هذا فنقول : إن كل محدث فله خالق وموجد ، وما ذاك إلا اللَّه سبحانه وتعالى فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو اللَّه تعالى ، ولما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح ، والمجوس سلموا أن خالقه هو اللَّه تعالى ، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد ، وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا لا بد من إلهين يكون أحدهما فاعلا للخيرات ، والثاني يكون فاعلا للشرور لأن بهذا الطريق ثبت أن إله الخير هو بعينه الخالق لهذا الذي هو الشر الأعظم فقوله تعالى : وَخَلَقَهُمْ إشارة إلى أن تعالى هو الخالق لهؤلاء الشياطين على مذهب المجوس ، وإذا كان خالقا لهم فقد اعترفوا بكون إله الخير فاعلا لأعظم الشرور ، وإذا اعترفوا بذلك وسقط قولهم : لا بد للخيرات من إله ، وللشرور من إله آخر . والوجه الثاني : في استنباط الحجة من قوله : وَخَلَقَهُمْ ما بينا في هذا الكتاب وفي كتاب « الأربعين في أصول الدين » أن ما سوى الواحد ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فهو محدث ، ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث ، فيلزم القطع بأن إبليس وجميع جنوده يكونون موصوفين بالحدوث . وحصول الوجود بعدم العدم ، وحينئذ يعود الإلزام المذكور على ما قررناه ، فهذا تقرير المقصود الأصلي من هذه الآية وباللَّه التوفيق . المسألة الثانية : قوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ معناه : وجعلوا الجن شركاء للَّه .