فخر الدين الرازي
85
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز ، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولا ويكون السنبل في أعلاه وقوله : نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً يعني يخرج من ذلك الخضر حبا متراكبا بعضه على بعض في سنبلة واحدة ، وذلك لأن الأصل هو ذلك العود الأخضر وتكون السنبلة مركبة عليه من فوقه وتكون الحبات متراكبة بعضها فوق بعض ، ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الأبر ، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة . ولما ذكر ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى ، وهو القسم الثاني فقال : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وهاهنا مباحث : البحث الأول : أنه تعالى قدم ذكر الزرع على ذكر النخل ، وهذا يدل على أن الزرع أفضل من النخل . وهذا البحث قد أفرد الجاحظ فيه تصنيفا مطولا . البحث الثاني : روى الواحدي عن أبي عبيدة أنه قال : أطلعت النخل إذا أخرجت طلعها وطلعها كيزانها قبل أن ينشق عن الأغريض ، والأغريض يسمى طلعا أيضا . قال والطلع أول ما يرى من عذق النخلة ، الواحدة طلعة . وأما قِنْوانٌ فقال الزجاج : القنوان جمع قنو . مثل صنوان وصنو . وإذا ثنيت القنو قلت قنوان بكسر النون ، فجاء هذا الجمع على لفظ الاثنين والإعراب في النون للجمع . إذا عرفت تفسير اللفظ فنقول : قوله : قِنْوانٌ دانِيَةٌ قال ابن عباس : يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها . وروي عنه أيضا أنه قال : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض قال الزجاج : ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن ذكر أحد القسمين يدل على الثاني كما قال : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] ولم يقل سرابيل تقيكم البرد ، لأن ذكر أحد الضدين يدل على الثاني ، فكذا هاهنا وقيل أيضا : ذكر الدانية في القريبة ، وترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأكثر . والبحث الثالث : قال صاحب « الكشاف » قِنْوانٌ رفع بالابتداء وَمِنَ النَّخْلِ خبره مِنْ طَلْعِها بدل منه كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا لدلالة / أخرجنا عليه تقديره ، ومخرجه من طلع النخل قنوان . ومن قرأ يخرج منه حب متراكب كان قِنْوانٌ عنده معطوفا على قوله : حَبًّا وقرئ قِنْوانٌ بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع كركب لأن فعلان ليس من باب التكسير . ثم قال تعالى : وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ وفيه أبحاث : البحث الأول : قرأ عاصم : جنات بضم التاء ، وهي قراءة علي رضي اللَّه عنه : والباقون جَنَّاتٍ بكسر التاء . أما القراءة الأولى فلها وجهان : الأول : أن يراد ، وثم وجنات من أعناب أي مع النخل والثاني : أن يعطف على قِنْوانٌ على معنى وحاصلة أو ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب وأما القراءة بالنصب فوجهها العطف على قوله : نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ والتقدير : وأخرجنا به جنات من أعناب ، وكذلك قوله : وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ [ الأنعام : 141 ] قال صاحب « الكشاف » : والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص كقوله تعالى : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [ النساء : 162 ] لفضل هذين الصنفين .