فخر الدين الرازي
27
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فيقال له : وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وإذا أسلم وآمن ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر ، فلا جرم يخاطب بخطاب الحاضرين ، ويقال له : وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان ، وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر . واللَّه أعلم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 73 ] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 73 ) [ المسألة الأولى ما يدل على أنه لا معبود إلا اللَّه وحده ] اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام ، ذكر هاهنا ما يدل على أنه لا معبود إلا اللَّه وحده وهو هذه الآية ، وذكر فيها أنواعا كثيرة من الدلائل . أولها : قوله وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أما كونه خالقا للسموات والأرض ، فقد شرحنا في قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وأما أنه تعالى خلقهما بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 191 ] وقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [ الأنبياء : 16 ] ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الدخان : 39 ] وفيه قولان . القول الأول : وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل الكائنات وتصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق ، فكان ذلك التصرف حسنا على الإطلاق وحقا على الإطلاق . والقول الثاني : وهو قول المعتزلة أن معنى كونه حقا أنه واقع على وفق مصالح المكلفين مطابق لمنافعهم . قال القاضي : ويدخل في هذه الآية أنه خلق المكلف أولا حتى يمكنه الانتفاع بخلق السماوات والأرض ، ولحكماء الإسلام في هذا الباب طريقة أخرى ، وهي أنه يقال : أودع في هذه الأجرام العظيمة قوى وخواص يصدر بسببها عنها آثار وحركات مطابقة لمصالح هذا العالم ومنافعه . وثانيها : قوله : وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ في تأويل هذه الآية قولان . الأول : التقدير وهو الذي خلق السماوات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون ، والمراد من هذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا ولكل ما فيها من الأفلاك والطبائع والعناصر والخالق ليوم القيامة والبعث ولرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن فيكون . والوجه الثاني : في التأويل أن نقول قوله : الْحَقُّ مبتدأ و يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ظرف دال على الخبر ، والتقدير قوله : الْحَقُّ واقع يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ كقولك يوم الجمعة القتال ، ومعناه القتال واقع يوم الجمعة . والمراد من كون قوله حقا في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق والصدق ، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث . وثالثها : قوله : وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فقوله : وَلَهُ الْمُلْكُ يفيد الحصر ، والمعنى : أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى ، فالمراد بالكلام الثاني تقريرا لحكم الحق المبرأ عن العبث والباطل ، والمراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض . فإن قال قائل : قول اللَّه حق في كل وقت ، وقدرته كاملة في كل وقت ، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين ؟