فخر الدين الرازي

24

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الصفة الأولى : أن يكون من صفتهم أنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وفي تفسيره وجوه : الأول : المراد أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبا ولهوا حيث سخروا به واستهزءوا به . الثاني : اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها دينا لهم . الثالث : أن الكفار كانوا يحكمون في دين اللَّه بمجرد التشهي والتمني ، مثل تحريم السوائب والبحائر وما كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة ، ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر اللَّه تعالى عنهم بأنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا . والرابع : قال ابن عباس جعل اللَّه لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر اللَّه تعالى . ثم إن الناس أكثرهم من المشركين ، وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهوا ولعبا غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه اللَّه تعالى . والخامس : وهو الأقرب ، أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب . فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا ، وقد حكم اللَّه على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو . فالمراد من قوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه . وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة . واللَّه أعلم . الصفة الثانية : قوله تعالى : وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وهذا يؤكد الوجه الخامس الذي ذكرناه كأنه تعالى يقول إنما اتخذوا دينهم لعبا ولهوا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا . فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا . إذا عرفت هذا ، فقوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً معناه أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزنا وَذَكِّرْ بِهِ واختلفوا في أن الضمير في قوله : بِهِ إلى ماذا يعود ؟ قيل : وذكر بالقرآن وقيل أنه تعالى قال : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً / والمراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا به ويعتقدوا صحته . فقوله : وَذَكِّرْ بِهِ أي بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور . والدين أقرب المذكور ، فوجب عود الضمير إليه . أما قوله أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ فقال صاحب « الكشاف » : أصل الإبسال المنع ومنه ، هذا عليك بسل أي حرام محظور ، والباسل الشجاع لامتناعه من خصمه ، أو لأنه شديد البسور ، يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه ، وإذا زاد قالوا بسل ، والعابس منقبض الوجه . إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ أي ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا . وقال الحسن ومجاهد : تسلم للمهلكة أي تمنع عن مرادها وتخذل . وقال قتادة : تحبس في جهنم ، وعن ابن عباس تُبْسَلَ تفضح و أُبْسِلُوا فضحوا ، ومعنى الآية وذكرهم بالقرآن ، ومقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون فيتقون . ثم قال تعالى : لَيْسَ لَها أي ليس للنفس مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أي وإن تفذ كل فداء ، والعدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل وتلك الفدية منها . قال صاحب « الكشاف » : فاعل يؤخذ ليس هو قوله : عَدْلٍ لأن العدل هاهنا مصدر ، فلا يسند إليه الأخذ . وأما في قوله : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ فبمعنى المفدى به ، فصح إسناده إليه . فنقول : الأخذ بمعنى القبول وارد . قال تعالى : وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ أي يقبلها . وإذا ثبت هذا فيحمل الأخذ هاهنا على القبول ، ويزول السؤال . واللَّه أعلم .