فخر الدين الرازي
19
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الحميد ، وقدر آخر من الخلق الذميم ، فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق الحميد ، ومقدار ذلك الخلق الذميم ، وذلك الظهور إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم ، وهو الآن الذي فيه ينقطع تعلق النفس من البدن ، فعبر عن هذه الحالة بسرعة الحساب ، فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة الفلسفية ، واللَّه العالم بحقائق الأمور . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 63 إلى 64 ] قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 63 ) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 64 ) اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية ، وكمال الرحمة والفضل والإحسان . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ بالتشديد في الكلمتين ، والباقون بالتخفيف . قال الواحدي : والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من نجا ، فإن شئت نقلت بالهمزة ، وإن شئت نقلت بتضعيف العين : مثل : أفرحته وفرحته ، وأغرمته وغرمته ، وفي القرآن فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ * [ الأعراف : 72 ] وفي آية أخرى وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا [ فصلت : 18 ] ولما جاء التنزيل باللغتين معا ظهر استواء القراءتين في الحسن ، غير أن الاختيار التشديد ، لأن ذلك من اللَّه كان غير مرة ، وأيضا قرأ عاصم في رواية أبي بكر خفية بكسر الخاء والباقون بالضم ، وهما لغتان ، وعلى هذا الاختلاف في سورة الأعراف ، وعن الأخفش في خفية وخفية أنهما لغتان ، وأيضا الخفية من الإخفاء ، / والخفية من الرهب ، وأيضا ( لَئِنْ أَنْجَيْتَنا من هذه . قرأ عاصم وحمزة والكسائي لَئِنْ أَنْجانا على المغايبة ، والباقون لَئِنْ أَنْجَيْتَنا على الخطاب ، فأما الأولون : وهم الذين قرءوا على المغايبة ، فقد اختلفوا . قرأ عاصم بالتفخيم ، والباقون بالإمالة ، وحجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل هذا اللفظ ، وما بعده مذكور بلفظ المغايبة ، فأما ما قبله فقوله : تَدْعُونَهُ وأما ما بعده فقوله : قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وأيضا فالقراءة بلفظ الخطاب توجب الإضمار ، والتقدير : يقولون لئن أنجيتنا ، والإضمار خلاف الأصل . وحجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . المسألة الثانية : ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما . يقال : لليوم الشديد يوم مظلم . ويوم ذو كواكب أي اشتدت ظلمته حتى عادت كالليل ، وحقيقة الكلام فيه أنه يشتد الأمر عليه ، ويشتبه عليه كيفية الخروج ، ويظلم عليه طريق الخلاص ، ومنهم من حمله على حقيقته فقال : أما ظلمات البحر فهي أن تجتمع ظلمة الليل ، وظلمة البحر وظلمة السحاب ، ويضاف الرياح الصعبة والأمواج الهائلة إليها ، فلم يعرفوا كيفية الخلاص وعظم الخوف ، وأما ظلمات البر فهي ظلمة الليل وظلمة السحاب والخوف الشديد من هجوم الأعداء ، والخوف الشديد من عدم الاهتداء إلى طريق الصواب ، والمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى اللَّه تعالى ، وهذا الرجوع يحصل ظاهرا وباطنا ، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة اللَّه تعالى ، وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى اللَّه تعالى ، وهو المراد من