فخر الدين الرازي

16

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وهو الرئيس المطلق في هذا الباب ، وله أعوان وخدم وأنصار ، فحسنت إضافة التوفي إلى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة واللَّه أعلم : البحث الثاني : من الناس من قال : هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة ، وهم أعيان أولئك الحفظة فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر اللَّه ، وعند مجيء الموت يتوفونهم ، والأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة ، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق ، إلا أن الذي مال إليه الأكثرون هو القول الثاني ، وأيضا فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة الذين هم معادن الرحمة والخير والراحة مغايرون للذين هم أصول الحزن والغم فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لإفادتهم الروح والراحة والريحان ، وبعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادئ الكرب والغم والأحزان . البحث الثالث : الظاهر من قوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ أنه ملك واحد هو رئيس الملائكة الموكلين بقبض الأرواح ، والمراد بالحفظة المذكورين في هذه الآية : أتباعه ، وأشياعه عن مجاهد : جعل الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله ، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين ، وجاء في الأخبار من صفات ملك الموت ومن كيفية موته عند فناء الدنيا وانقضائها أحوال عجيبة . والبحث الرابع : قرأ حمزة : توفاه بالألف ممالة والباقون بالتاء ، فالأول لتقديم الفعل ، / ولأن الجمع قد يذكر ، والثاني على تأنيث الجمع . أما قوله تعالى : وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ أي لا يقصرون فيما أمرهم اللَّه تعالى به ، وهذا يدل على أن الملائكة الموكلين بقبض الأرواح لا يقصرون فيما أمروا به . وقوله في صفة ملائكة النار : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ يدل على أن ملائكة العذاب لا يقصرون في تلك التكاليف ، وكل من أثبت عصمة الملائكة في هذه الأحوال أثبت عصمتهم على الإطلاق ، فدلت هذه الآية على ثبوت عصمة الملائكة على الإطلاق . أما قوله تعالى : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ففيه مباحث : الأول : قيل المردودون هم الملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أيضا أولئك الملائكة . وقيل : بل المردودون البشر ، يعني أنهم بعد موتهم يردون إلى اللَّه . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية ، لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت للعبد ويدل على أنه بعد الموت يرد إلى اللَّه ، والميت مع كونه ميتا لا يمكن أن يرد إلى اللَّه لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة ، لكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ، بل يجب أن يكون ذلك الرد مفسرا بكونه منقادا لحكم اللَّه مطيعا لقضاء اللَّه ، وما لم يكن حيا لم يصح هذا المعنى فيه ، فثبت أنه حصل هاهنا موت وحياة أما الموت ، فنصيب البدن : فبقي أن تكون الحياة نصيبا للنفس والروح ولما قال تعالى : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ وثبت أن المرد وهو النفس والروح ، ثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح ، وهو المطلوب . واعلم أن قوله : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن ، لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال : إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن ، ونظيره قوله تعالى : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ الفجر : 28 ] وقوله : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [ يونس : 4 ] ونقل عن النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « خلق اللَّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام » وحجة الفلاسفة على إثبات أن النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة بينا ضعفها في « الكتب العقلية » .