فخر الدين الرازي

106

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : اعلم أن المراد من قوله : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ يعني أنه تعالى يأتي بها متواترة حالا بعد حال ، ثم قال : وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وفيه مباحث : البحث الأول : حكى الواحدي : في قوله درس الكتاب قولين : الأول : قال الأصمعي أصله من قولهم : درس الطعام إذا داسه ، يدرسه دراسا والدراس الدياس بلغة أهل الشام قال : ودرس الكلام من هذا أي يدرسه فيخف على لسانه . والثاني : قال أبو الهيثم درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه ، من قولهم درست الثوب أدرسه درسا فهو مدروس ودريس ، أي أخلقته ، ومنه قيل للثوب الخلق دريس لأنه قد لان ، والدراسة الرياضة ، ومنه درست السورة حتى حفظتها ، ثم قال الواحدي : وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى الدليل والتليين . البحث الثاني : قرأ ابن كثير وأبو عمر ودارست بالألف ونصب التاء ، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد وتفسيرها قرأت على اليهود وقرءوا عليك ، وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة ، ويقوي هذه القراءة قوله تعالى : إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [ الفرقان : 4 ] وقرأ ابن عامر دَرَسْتَ أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد درست وانمحت ، ومضت من الدرس الذي هو تعفي الأثر وإمحاء الرسم ، قال الأزهري من قرأ دَرَسْتَ فمعناه تقادمت أي هذا الذي تتلوه علينا قد تقادم وتطاول وهو من قولهم درس الأثر يدرس دروسا . واعلم أن صاحب « الكشاف » روى هاهنا قراءات أخرى : فإحداها : درست بضم الراء مبالغة في درست أي اشتد دروسها . وثانيها : درست على البناء للمفعول بمعنى قدمت وعفت . وثالثها : دارست وفسروها بدارست اليهود محمدا . ورابعها : درس أي درس محمد . وخامسها : دارسات على معنى هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية . البحث الثالث : « الواو » في قوله : وَلِيَقُولُوا عطف على مضمر والتقدير وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه . البحث الرابع : اعلم أنه تعالى قال : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثم ذكر الوجه الذي لأجله صرف هذه الآيات وهو أمران : أحدهما قوله تعالى : وليقولوا دارست والثاني : قوله : وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أما هذا الوجه الثاني فلا إشكال فيه لأنه تعالى بين أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والفهم والعلم . وإنما الكلام في الوجه الأول وهو قوله : وليقولوا دارست لأن قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول ، وعند هذا الكلام عاد بحث مسألة الجبر والقدر . فأما أصحابنا فإنهم أجروا الكلام على ظاهره فقالوا معناه إنا ذكرنا هذه الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد كفرا على كفر ، وتثبيتا لبعضهم فيزداد إيمانا على إيمان ، ونظيره قوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [ البقرة : 26 ] وقوله : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] وأما المعتزلة فقد تحيروا . قال الجبائي والقاضي : وليس فيه إلا أحد وجهين : الأول : أن يحمل هذا الإثبات على النفي ، والتقدير : وكذلك نصرف الآيات لئلا يقولوا درست . ونظيره قوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ومعناه : لئلا تضلوا . والثاني : أن تحمل هذه اللام على