فخر الدين الرازي
100
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب عن الوجه الأول من وجوه : الأول : لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه : أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى : قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [ الشعراء : 61 ] أي لملحقون وقال : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [ يونس : 90 ] أي لحقه ، ويقال : أدرك فلان فلانا ، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم ، وأدركت الثمرة أي نضجت . فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء . إذا عرفت هذا فنقول : المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته . صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكا ، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكا . فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان : رؤية مع الإحاطة ورؤية لا مع الإحاطة . والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من / نوعي الرؤية ، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس . فلم يلزم من نفي الإدراك عن اللَّه تعالى نفي الرؤية عن اللَّه تعالى ، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم . فإن قالوا لما بينتم أن الإدراك أمر مغاير للرؤية فقد أفسدتم على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تمسكتم بها في هذه الآية في إثبات الرؤية على اللَّه تعالى . قلنا : هذا بعيد لأن الإدراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب إثبات الأعم . وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم . فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا . الوجه الثاني : في الاعتراض أن نقول : هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية ، لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وعن كل الأحوال وفي كل الأوقات ؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير ، وعموم النفي غير ، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم ، وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص ، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال . وأما قوله إن عائشة رضي اللَّه عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول : معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة ، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد ، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يفيد نفي العموم . وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم والنفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي ، فسقط كلامهم . الوجه الثالث : أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضا ، وإذا كان كذلك فقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يفيد أن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه ، ونحن نقول بموجبه فإن هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك اللَّه تعالى ، وإنما تدرك اللَّه تعالى إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك اللَّه ؟ الوجه الرابع : سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك اللَّه تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك اللَّه تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به ؟ وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة .