فخر الدين الرازي
369
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الأطراف ، ولما ذكر اللَّه تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ وهو كل ما يمكن أن يقتص منه ، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها ، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم ، أو كسر في عظم ، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة . واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعا في التوراة ، فمن قال : شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال : هذه الآية حجة في شرعنا ، ومن أنكر ذلك قال : إنها ليست بحجة علينا . المسألة الثالثة : قِصاصٌ هاهنا مصدر يراد به المفعول ، أي والجروح متقاصة بعضها ببعض ثم قال تعالى : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ الضمير في قوله لَهُ يحتمل أن يكون عائدا إلى العافي أو إلى المعفو عنه ، أما الأول فالتقدير أن المجروح أو ولي المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له ، أي للعافي ويتأكد هذا بقوله تعالى في آية القصاص الثالث : في سورة البقرة وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ البقرة : 237 ] / ويقرب منه قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس » و روى عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « من تصدق من جسده بشيء كفر اللَّه تعالى عنه بقدره من ذنوبه » وهذا قول أكثر المفسرين . والقول الثاني : أن الضمير في قوله فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ عائد إلى القاتل والجارح ، يعني أن المجنى عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني ، يعني لا يؤاخذه اللَّه تعالى بعد ذلك العفو ، وأما المجنى عليه الذي عفا فأجره على اللَّه تعالى . ثم قال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وفيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال أولا : فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] وثانيا : هُمُ الظَّالِمُونَ والكفر أعظم من الظلم ، فلما ذكر أعظم التهديدات أولا ، فأي فائدة في ذكر الأخف بعده ؟ وجوابه : أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس ، ففي الآية الأولى ذكر اللَّه ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه ، وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 46 ] وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 ) قفيته : مثل عقبته إذا اتبعته ، ثم يقال : عقبته بفلان وقفيته به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء . فإن قيل : فأين المفعول الأول في الآية ؟ قلنا : هو محذوف ، والظرف وهو قوله عَلى آثارِهِمْ كالساد مسده ، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه ، والضمير في آثارِهِمْ للنبيين في قوله يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا [ المائدة : 44 ] وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقا لما بين يديه من التوراة ، / وإنما يكون