فخر الدين الرازي

367

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ومنعهم من التحريف والتغيير . واعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بدّ وأن يكون لخوف ورهبة ، أو لطمع ورغبة ، ولما كان الخوف أقوى تأثيرا من الطمع قدم تعالى ذكره فقال : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ والمعنى إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف ، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف اللَّه تعالى عنهم ، فلا تكونوا خائفين من الناس ، بل / كونوا خائفين مني ومن عقابي . ولما ذكر أمر الرهبة اتبعه بأمر الرغبة ، فقال وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة ، فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع الدنيا قليل ، والرشوة التي تأخذونها منهم في غاية القلة ، والرشوة لكونها سحتا تكون قليلة البركة والبقاء والمنفعة ، فكذلك المال الذي تكتسبونه قليل من قليل ، ثم أنتم تضيعون بسببه الدين والثواب المؤبد ، والسعادات التي لا نهاية لها . ويحتمل أيضا أن يكون إقدامهم على التحريف والتبديل لمجموع الأمرين ، للخوف من الرؤساء ولأخذ الرشوة من العامة ، ولما منعهم اللَّه من الأمرين ونبّه على ما في كل واحد منهما من الدناءة والسقوط كان ذلك برهانا قاطعا في المنع من التحريف والتبديل . ثم إنه أتبع هذا البرهان الباهر بالوعيد الشديد فقال : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في إقدامهم على تحريف حكم اللَّه تعالى في حد الزاني المحصن ، يعني أنهم لما أنكروا حكم اللَّه المنصوص عليه في التوراة وقالوا : إنه غير واجب ، فهم كافرون على الإطلاق ، لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن . المسألة الثانية : قالت الخوارج : كل من عصى اللَّه فهو كافر . وقال جمهور الأئمة : ليس الأمر كذلك ، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا : إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل اللَّه فهو كافر ، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل اللَّه ، فوجب أن يكون كافرا . وذكر المتكلمون والمفسرون أجوبة عن هذه الشبهة : الأول : أن هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم ، وهذا ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومنهم من حاول دفع هذا السؤال فقال : المراد ومن لم يحكم من هؤلاء الذين سبق ذكرهم بما أنزل اللَّه فأولئك هم الكافرون ، وهذا أيضا ضعيف لأن قوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ كلام أدخل فيه كلمة ( من ) في معرض الشرط ، فيكون للعموم . وقول من يقول : المراد ومن لم يحكم بما أنزل اللَّه من الذين سبق ذكرهم فهو زيادة في النص وذلك غير جائز . الثاني : قال عطاء : هو كفر دون / كفر . وقال طاوس : ليس بكفر ينقل عن الملة كمن يكفر باللَّه واليوم الآخر ، فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين ، وهو أيضا ضعيف ، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين . والثالث : قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون المعنى : ومن لم يحكم بما أنزل اللَّه فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار ، ويشبه من أجل ذلك الكافرين ، وهذا ضعيف أيضا لأنه عدول عن الظاهر . والرابع : قال